َ جَمَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مِنْهُمْ مَنْ يُفْقَدُ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفْقَدُ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا؛ إمَّا فِي غَيْرِ حَرْبٍ، أَوْ فِي حَرْبٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ يَخُصُّهُ، ثُمَّ قَالَ
وَحُكْمُ مَفْقُودٍ بِأَرْضِ الْكُفْرِ فِي غَيْرِ حَرْبٍ حُكْمُ مَنْ فِي الْأَسْرِ
تَعْمِيرُهُ فِي الْمَالِ وَالطَّلَاقُ مُمْتَنِعٌ مَا بَقِيَ الْإِنْفَاقُ
وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ حَرِيّ بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ كَالْمُعْسِرِ
الْمَفْقُودُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَيُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ. خَرَجَ بِقَوْلِهِ مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ: الْأَسِيرُ الَّذِي عُلِمَ خَبَرُهُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ وَيُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ: الْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ الْكَشْفُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمَفْقُودِ وَالْحَدُّ شَامِلٌ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ قَالَهُ الرَّصَّاعُ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَفْقُودَ؛ إمَّا أَنْ يُفْقَدَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ، أَوْ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَبَدَأَ النَّاظِمُ بِاَلَّذِي يُفْقَدُ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ وَسَيَقُولُ
وَمَنْ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ يُفْتَقَدْ
إلَخْ وَقَسَّمَ الْمَفْقُودَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ إلَى مَنْ فُقِدَ فِي غَيْرِ حَرْبٍ وَعَلَيْهِ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بِاعْتِبَارِ زَوْجَتِهِ وَمَالِهِ وَأَدْمَجَ مَعَهُ حُكْمَ الْأَسِيرِ الْمَجْهُولِ الْحَيَاةِ بِاعْتِبَارِ زَوْجَتِهِ وَمَالِهِ أَيْضًا فَأَخْبَرَ أَنَّ حُكْمَ الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ فِي غَيْرِ حَرْبٍ حُكْمُ الْأَسِيرِ، أَيْ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ مِنْ مَوْتِهِ، وَحُكْمُهُ أَنَّ الْمَالَ لَا يُوَرَّثُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ مَا لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهِ.
وَكَذَا لَا تَتَزَوَّجُ زَوْجَتُهُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِ التَّعْمِيرِ وَالْحُكْمِ بِمَوْتِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَفْقُودُ بِأَرْضِ الْكُفْرِ فِي غَيْرِ حَرْبٍ لَا يُوَرَّثُ مَالُهُ وَلَا تَتَزَوَّجُ زَوْجَتُهُ إلَّا بَعْدَ التَّعْمِيرِ فَقَوْلُهُ وَالطَّلَاقُ مُمْتَنِعٌ، يَعْنِي أَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ وَالْأَسِيرِ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ مَا دَامَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ حَرِيّ
الْبَيْتَ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ.
قَوْلِهِ
مُمْتَنِعٌ مَا بَقِيَ الْإِنْفَاقُ
إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ مَا بَقِيَ الْإِنْفَاقُ أَنَّهُ مَهْمَا كَانَ عِنْدَهُ مَا تُنْفِقُ مِنْهُ، فَلَهَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ فَتُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ وَلَا تَتَزَوَّجُ، وَلَوْ طَالَتْ السُّنُونَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ، أَمَّا إذَا انْقَضَى أَجَلُ التَّعْمِيرِ، وَحُكِمَ بِمَوْتِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا حِينَئِذٍ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لِأَنَّهَا إذْ ذَاكَ مُتَوَفًّى عَنْهَا وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ عِدَّةِ الْوَفَاةِ تَبْتَدِئُهَا مِنْ غَدِ يَوْمِ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ.
(قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ)، وَأَمَّا الْأَسِيرُ، فَإِنْ كَانَ لِامْرَأَتِهِ شَرْطٌ فِي الْمَغِيبِ، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَرْطٌ وَلَا خَلَفَ لَهَا نَفَقَةً قَامَتْ بِعَدَمِهَا وَطَلَّقَهَا عَلَيْهِ الْإِمَامُ كَمَا تَطْلُقُ عَلَى الْحَاضِرِ، فَإِنْ كَانَ خَلَفَ لَهَا مَا تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ شَرْطٌ فَلَا تَتَزَوَّجُ أَبَدًا وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ حَتَّى يَثْبُتَ مَوْتُهُ، أَوْ تُبْصِرَهُ طَائِعًا، أَوْ يَنْقَضِيَ تَعْمِيرُهُ، إنْ جُهِلَ مَكَانُهُ فَتَنْقَطِعُ النَّفَقَةُ عَنْهَا وَعَمَّنْ كَانَ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ وَتَتَزَوَّجُ وَيُقَسَّمُ مَالُهُ فِي ثُبُوتِ الْمَوْتِ، أَوْ انْقِضَاءِ التَّعْمِيرِ اهـ.
وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ الْكَلَامُ عَلَى حَدِّ التَّعْمِيرِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَبَقِيَتْ أُمُّ وَلَدِهِ وَمَالُهُ وَزَوْجَةُ الْأَسِيرِ وَزَوْجَةُ مَفْقُودِ أَرْضِ الشِّرْكِ لِلتَّعْمِيرِ، وَالشَّاهِدُ لِمَسْأَلَتِنَا، أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْمَفْقُودِ وَالْأَسِيرِ هُوَ قَوْلُهُ وَزَوْجَةُ الْأَسِيرِ وَزَوْجَةُ مَفْقُودِ أَرْضِ الشِّرْكِ يَعْنِي وَمَالُهُمَا فَقَوْلُهُ " وَمَفْقُودٌ " عَطْفٌ عَلَى الْأَسِيرِ مَدْخُولٌ لِزَوْجَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[ ١ / ٢٦٦ ]
وَإِنْ يَكُنْ فِي الْحَرْبِ فَالْمَشْهُورُ فِي مَالِهِ وَالزَّوْجَةِ التَّعْمِيرُ
وَفِيهِ أَقْوَالٌ لَهُمْ مُعَيَّنَهْ أَصَحُّهَا الْقَوْلُ بِسَبْعِينَ سَنَهْ
وَقَدْ أَتَى الْقَوْلُ بِضَرْبِ عَامِ مِنْ حِينِ يَأْسٍ مِنْهُ لَا الْقِيَامِ
وَيُقْسَمُ الْمَالُ عَلَى مَمَاتِهِ وَزَوْجَةٌ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاتِهِ
وَذَا بِهِ الْقَضَاءُ فِي أَنْدَلُسِ لِمَنْ مَضَى فَمُقْتَفِيهِمْ مُؤْتَسِ
يَعْنِي الْمَفْقُودُ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ إمَّا فِي غَيْرِ حَرْبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَإِمَّا فِي حَرْبٍ وَعَلَيْهِ تَكَلَّمَ هُنَا فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ
وَحُكْمُ مَفْقُودٍ بِأَرْضِ الْكُفْرِ
فِي غَيْرِ حَرْبٍ يَعْنِي أَنَّ مَنْ فُقِدَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ فِي الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ فَفِيهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُعْمَلُ فِي الْمَالِ وَالزَّوْجَةِ كَالْمَفْقُودِ وَالْأَسِيرِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فَلَا يُقَسَّمُ مَالُهُ، وَلَا تَتَزَوَّجُ زَوْجَتُهُ، إلَّا بَعْدَ أَجَلِ التَّعْمِيرِ، وَالْحُكْمِ بِمَوْتِهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَالْمَشْهُورُ
فِي مَالِهِ وَالزَّوْجَةِ التَّعْمِيرُ
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ فَإِذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ وُرِّثَ مَالُهُ وَاعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْمَفْقُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ تَعْتَدُّ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ
وَقَدْ أَتَى الْقَوْلُ بِضَرْبِ عَامِ
وَمُبْتَدَأُ الْعَامِ مِنْ حَيْثُ الْيَأْسُ مِنْ خَبَرِهِ لَا مِنْ حِينِ قِيَامِ الزَّوْجَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
مِنْ حِينِ يَأْسٍ مِنْهُ لَا الْقِيَامِ
، فَإِذَا انْقَضَى الْعَامُ وَحُكِمَ بِمَوْتِهِ قُسِّمَ مَالُهُ وَاعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
يُقَسَّمُ الْمَالُ عَلَى مَمَاتِهِ
الْبَيْتُ فَقَوْلُهُ عَلَى مَمَاتِهِ، أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَمْوِيتِهِ إذْ ذَاكَ، أَيْ لَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِتَعْمِيرِهِ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ الْقَضَاءُ فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ لِمَنْ مَضَى مِنْ الشُّيُوخِ فَمَنْ عَمِلَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُؤْتَسٍ وَمُقْتَدٍ بِهِمْ، وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِتَعْمِيرِهِ ذَكَرَ إثْرَهُ بَعْضَ مَا قِيلَ فِي التَّعْمِيرِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ فِيهِ أَقْوَالًا لَهُمْ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْكِ مِنْهَا إلَّا قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَقَالَ إنَّهُ أَصَحُّهَا، وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مَفْقُودَ الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ كَالْأَسِيرِ لَا تَتَزَوَّجُ زَوْجَتُهُ وَلَا يُقَسَّمُ مَالُهُ حَتَّى يُعْلَمَ مَوْتُهُ، أَوْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ كَالْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فِي مَالِهِ وَزَوْجَتِهِ فَيُعَمَّرُ فِي مَالِهِ وَيُضْرَبُ لِزَوْجَتِهِ أَجَلُ أَرْبَعِ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) تَعْتَدُّ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّانِي فِي النَّظْمِ وَعَلَيْهِ ذَهَبَ خَلِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ فِي حَدِّ التَّعْمِيرِ سِتَّةَ أَقْوَالٍ اقْتَصَرَ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا، فَقَالَ وَهُوَ سَبْعُونَ سَنَةً وَاخْتَارَ الشَّيْخَانِ ثَمَانِينَ وَحَكَمَ بِخَمْسٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ قَالَ
وَمَنْ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ يُفْقَدُ فَأَرْبَعٌ مِنْ السِّنِينَ الْأَمَدُ
وَبِاعْتِدَادِ الزَّوْجَةِ الْحُكْمُ جَرَى مُبَعَّضًا وَالْمَالُ فِيهِ عُمِّرَا
لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ بِقِسْمَيْهِ، أَيْ فِي غَيْرِ حَرْبٍ، أَوْ فِي حَرْبٍ تَكَلَّمَ هُنَا عَلَى الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ حَرْبٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُفْصَلُ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَمَالِهِ، فَأَمَّا زَوْجَتُهُ فَيُضْرَبُ لَهَا أَجَلُ أَرْبَعِ سِنِينَ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ خَبَرِهِ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ، وَأَمَّا مَالُهُ فَلَا يُوَرَّثُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ السِّنِينَ مَا لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهِ (قَالَ فِي الرِّسَالَةِ) وَالْمَفْقُودُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ ذَلِكَ وَيَنْتَهِي الْكَشْفُ عَنْهُ، ثُمَّ تَعْتَدُّ كَمُعْتَدَّةِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ وَلَا يُوَرَّثُ مَالُهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهِ اهـ. فَقَوْلُهُ وَبِاعْتِدَادِ الزَّوْجَةِ الْبَيْتُ يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ جَرَى فِي الْمَفْقُودِ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ مُبَعَّضًا بِسَبَبِ اعْتِدَادِ الزَّوْجَةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ وَحِلِّيَّتِهَا لِلْأَزْوَاجِ بَعْدَهَا وَتَعْمِيرِهِ فِي الْمَالِ فَلَمْ يُعَمَّرْ فِي الْجَمِيعِ وَلَا ضُرِبَ لَهُ الْأَجَلُ فِي الْجَمِيعِ، بَلْ عُمِّرَ فِي الْمَالِ وَضُرِبَ لِزَوْجَتِهِ الْأَجَلُ فَيُحْكَمُ بِمَوْتِهِ بِاعْتِبَارِ الزَّوْجَةِ وَبِحَيَاتِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ، وَهَذَا هُوَ التَّبْعِيضُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّاظِمُ - ﵀ -
وَحُكْمُ مَفْقُودٍ بِأَرْضِ الْفِتَنِ فِي الْمَالِ وَالزَّوْجَةِ حُكْمُ مَنْ فَنِيَ
مَعَ التَّلَوُّمِ لِأَهْلِ الْمَلْحَمَهْ بِقَدْرِ مَا تَنْصَرِفُ الْمُنْهَزِمَهْ
فَإِنْ نَأَتْ أَمَاكِنُ الْمَلَاحِمِ
تَرَبَّصَ الْعَامَ لَدَى ابْنِ الْقَاسِمِ
[ ١ / ٢٦٧ ]
وَأَمَدُ الْعِدَّةِ فِيهِ إنْ شُهِدْ أَنْ قَدْ رَأَى الشُّهُودُ فِيهَا مَنْ فُقِدْ
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ الْمَفْقُودِ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْتِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ الْمَفْقُودُ فِي الْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرَ النَّاظِمُ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا بِالتَّفْصِيلِ إنْ لَمْ تَبْعُدْ أَمَاكِنُ الْمَلْحَمَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ مَاتَ حَاضِرًا فِي الْمَالِ وَالزَّوْجَةِ فَيُوَرَّثُ مَالُهُ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ، وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَإِنَّمَا يَتَلَوَّمُ الْإِمَامُ لِزَوْجَتِهِ بِقَدْرِ انْصِرَافِ مَنْ انْصَرَفَ وَانْهِزَامِ مَنْ انْهَزَمَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتَتَزَوَّجُ، وَإِنْ بَعُدَتْ أَمَاكِنُ الْمَلْحَمَةِ الَّتِي فُقِدَ فِيهَا عَنْ بَلَدِهِ كَإِفْرِيقِيَّةَ، وَنَحْوِهَا انْتَظَرَتْ زَوْجَتُهُ سَنَةً وَالْعِدَّةُ دَاخِلَةٌ فِي السَّنَةِ، هَذَا إنْ رَأَى الْمَفْقُودَ فِي الْمَعْرَكَةِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمَوْتِهِ هَذَا مَقْصُودُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّ الَّذِينَ رَأَوْهُ فِي الْمَلْحَمَةِ لَمْ يَشْهَدُوا وَإِنَّمَا نُقِلَتْ الشَّهَادَةُ عَنْهُمْ لِقَوْلِهِ " إنْ شُهِدَ " أَنْ قَدْ رَأَى الشُّهُودُ وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ فَقَوْلُهُ " مَنْ فَنِيَ " أَيْ مَنْ مَاتَ فِي بَلَدِهِ " وَنَأَتْ " مَعْنَاهُ بَعُدَتْ " وَلَدَى " بِمَعْنَى عِنْدَ " وَأَمَدُ الْعِدَّةِ " فِيهِ، أَيْ دَاخِلٌ فِي الْعَامِ " وَشُهِدَ " بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ الَّذِي هُوَ " أَنْ قَدْ رَأَى " " وَالشُّهُودُ " فَاعِلُ رَأَى وَ" مَنْ فُقِدْ " مَفْعُولُهُ، وَضَمِيرُ فِيهَا لِلْمَلْحَمَةِ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) فِي الْمَفْقُودِ فِي الْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ حَكَى فِيهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ مِنْ يَوْمِ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَكَانَ أَشْبَاهُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى يَوْمَ صِفِّينَ وَالْحَرَّةِ. الثَّانِي لِأَصْبَغَ يُضْرَبُ لِامْرَأَتِهِ بِقَدْرِ مَا يُسْتَقْصَى أَمْرُهُ وَيَسْتَبِينُ خَبَرُهُ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مَعْلُومٌ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِلْأَوَّلِ.
وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ تَفْسِيرًا لَهُ. الثَّالِثُ لِابْنِ الْقَاسِمِ تَتَرَبَّصُ زَوْجَتُهُ سَنَةً، ثُمَّ تَعْتَدُّ. الرَّابِعُ أَنَّ الْعِدَّةَ دَاخِلَةٌ فِي السَّنَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَلَوَّمَ لَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ خَبَرٌ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ خَامِسٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا قَرُبَ مِنْ الدِّيَارِ يَتَلَوَّمُ الْإِمَامُ لِزَوْجَتِهِ بِاجْتِهَادِهِ بِقَدْرِ انْصِرَافِ مَنْ انْصَرَفَ وَانْهِزَامِ مَنْ انْهَزَمَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتَتَزَوَّجُ وَبَيْنَ مَا بَعُدَ، مِثْلُ إفْرِيقِيَّةَ، وَنَحْوِهَا تَمْكُثُ زَوْجَتُهُ سَنَةً فَأَدْخَلَ نَظَرَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ سَادِسٌ إنْ كَانَ بَعِيدًا فَحُكْمُهُ كَالْمَفْقُودِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَةَ أَعْوَامٍ (اللَّخْمِيُّ) مَنْ قَالَ: إنَّ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَرَّثَ مَالُهُ حِينَئِذٍ.
وَمَنْ جَعَلَ لِزَوْجَتِهِ التَّرَبُّصَ وَقَفَ مَالُهُ إلَى التَّعْمِيرِ، وَاخْتُلِفَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ زَوْجَتَهُ تَتَرَبَّصُ سَنَةً فَقِيلَ يُوَرَّثُ مَالُهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَقِيلَ يُوقَفُ مَالُهُ إلَى التَّعْمِيرِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَنَّهُ شَهِدَ الْمُعْتَرَكَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ إنَّمَا رَأَوْهُ خَارِجًا مَعَ الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَرَوْهُ فِي الْمُعْتَرَكِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ فِي زَوْجَتِهِ وَمَالِهِ بِاتِّفَاقٍ. اهـ. فَقَوْلُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ، أَيْ تُؤَجَّلُ زَوْجَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَيَبْقَى مَالُهُ لِلتَّعْمِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي التَّوْضِيحِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي كَوْنِ الثَّانِي تَفْسِيرًا لَهُ، أَوْ خِلَافًا، ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ وَاعْتَدَّتْ فِي كَمَفْقُودِ الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ انْفِصَالِ الصَّفَّيْنِ وَهَلْ يَتَلَوَّمُ وَيَجْتَهِدُ؟ تَفْسِيرَانِ وَوُرِّثَ مَالُهُ وَحِينَئِذٍ وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحِ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ يَكُونُ قَوْلُهُ فِي النَّظْمِ،
فَإِنْ نَأَتْ أَمَاكِنُ الْمَلَاحِمِ
قَوْلًا ثَالِثًا مُسْتَقِلًّا، لَا مِنْ تَمَامِ الْأَوَّلِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ النَّظْمِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ إنْ شُهِدَ إلَخْ تَقْيِيدًا لِمَحَلِّ الْخِلَافِ كَمَا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا شَرْطًا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا بَعُدَتْ أَمَاكِنُ الْمَلَاحِمِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ النَّظْمِ أَيْضًا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.