ِ تَقَدَّمَ أَوَّلَ بَابِ الْكِرَاءِ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ تَسْمِيَةُ شِرَاءِ مَنْفَعَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ كِرَاءً، وَمَنْفَعَةُ الْآدَمِيِّ إجَارَةً، وَقَدْ حَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ الْإِجَارَةَ بِقَوْلِهِ: " بَيْعُ مَنْفَعَةِ مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ غَيْرَ سَفِينَةٍ وَلَا حَيَوَانٍ لَا يَعْقِلُ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا " اهـ.
وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْبَيْعَ عَلَى الْعَقْدِ وَلَوْ قَالَ: عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْإِجَارَةَ خَارِجَةٌ عَنْ الْبَيْعِ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: " مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ " كِرَاءَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَقَوْلُهُ: " غَيْرَ سَفِينَةٍ " مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَخْرَجَ بِهِ كِرَاءَ السُّفُنِ وَقَوْلُهُ
[ ٢ / ١٠١ ]
وَلَا حَيَوَانٍ لَا يَعْقِلُ " أَخْرَجَ بِهِ كِرَاءَ الرَّوَاحِلِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بَابِ الْكِرَاءِ لَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ، وَأَمَّا مَنْفَعَةُ الْحَيَوَانِ الْعَاقِلِ فَهِيَ الْإِجَارَةُ الْمُرَادَةُ هُنَا، وَذَكَرَ الْعِوَضَ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِجَارَةِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ نَاشِئٍ عَنْهَا لِيُخْرِجَ الْقِرَاضَ، وَالْمُسَاقَاةَ وَالْمُغَارَسَةَ، وَأَخْرَجَ الْجُعْلَ بِقَوْلِهِ: " يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا ".
وَقَوْلُهُ: " بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ " ضَمِيرُ " بَعْضُهُ " لِلْعِوَضِ، وَضَمِيرُ بِتَبْعِيضِهَا لِلْإِجَارَةِ وَكَأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِتَبْعِيضِ عَمَلِهَا، وَلَوْ قَالَ جُلُّهُ يَتَبَعَّضُ إلَخْ لَكَانَ أَنْسَبَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ) إنَّمَا ذَكَرْته خَوْفًا مِنْ نَقْضِ عَكْسِ الْحَدِّ لِأَجْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا إجَارَةٌ عِوَضُهَا الْبُضْعُ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ فَلَوْ أَسْقَطْت قَوْلِي بَعْضُهُ وَقُلْت يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا لَخَرَجَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ الْحَدِّ فَكَانَ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ مِنْ الرَّصَّاعِ
الْعَمَلُ الْمَعْلُومُ مِنْ تَعْيِينِهِ يَجُوزُ فِيهِ الْأَجْرُ مَعَ تَبْيِينِهِ
وَلِلْأَجِيرِ أُجْرَةٌ مُكَمِّلَهْ إنْ تَمَّ أَوْ بِقَدْرِ مَا قَدْ عَمِلَهْ
يَعْنِي أَنَّ الْعَمَلَ الْمَعْلُومَ أَيْ لِلْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ لَهُ الَّذِي عَمِلَهُ حَاصِلٌ مِنْ تَعْيِينِهِ أَيْ مِنْ تَعْيِينِ قَدْرِهِ وَجِنْسِهِ وَصِفَتِهِ وَالتَّعْيِينُ إمَّا بِالْعَادَةِ أَوْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ إذَا وَقَعَ مَعَ الْبَيَانِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْيِينِ الْبَيَانُ فَهُوَ أَيْ قَوْلُهُ مَعَ تَبْيِينِهِ كَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ مِمَّا قَبْلَهُ ثُمَّ إنْ أَكْمَلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ فَلِلْأَجِيرِ أُجْرَتُهُ كَامِلَةً، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْ فَلَهُ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ مِنْهُ وَهَذَا مَعْنَى الْبَيْتَيْنِ (قَالَ اللَّخْمِيُّ): " الْإِجَارَةُ مُنْعَقِدَةٌ كَالْبِيَاعَاتِ ".
(وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَالْإِجَارَةُ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ مِنْ خِيَاطَةٍ، وَصَبْغٍ، وَدَبْغٍ، وَصِيَاغَةٍ، وَقِصَارَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزَةٌ إذَا سَمَّى الثَّمَنَ، وَوَصَفَ الْعَمَلَ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَعَمِلَ بَعْضَهُ ثُمَّ مَاتَ الْعَامِلُ فَقَالَ: " أَمَّا مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ مَا قَدْ عَمِلَ ثُمَّ يُرَدُّ مَا بَقِيَ، وَأَمَّا مَا كَانَ مَضْمُونًا فَهُوَ فِي مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْعَامِلُ وَفَاءً حَاصَّ الْمُسْتَعْمَلُ الْغُرَمَاءَ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ يَوْمَ يُحَاصُّ بِهِ، وَلَيْسَ عَلَى قَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ إجَارَتِهِ اهـ.
وَإِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: " وَلِلْأَجِيرِ أُجْرَةٌ مُكَمِّلَهْ " (الْبَيْتَ) وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَضْمُونُ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ تَبْيِينِ الْأَجْرِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: " أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُخَالِفُ مُسْتَعْمِلَهُ دُونَ تَسْمِيَةِ أَجْرٍ إذَا فَرَغَ أَرْضَاهُ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ، وَمِنْ هَذَا: اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا حَصَلَ فَلَكَ نِصْفُهُ وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ وَأَجَازَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اهـ.
(الْمَوَّاقُ) وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - فِيمَا هُوَ جَارٍ عَلَى هَذَا لَا يُفْتِي بِفِعْلِهِ ابْتِدَاءً، وَلَا يُشَنِّعُ عَلَى مَنْ ارْتَكَبَهُ قُصَارَى أَمْرِ مُرْتَكِبِهِ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَرَعِ، وَمَا الْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ لَا حِسْبَةَ فِيهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ دَعَتْ لِذَلِكَ حَاجَةٌ وَمِنْ أُصُولِ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُرَاعِي الْحَاجَاتِ كَمَا يُرَاعِي الضَّرُورَاتِ.
(وَمِنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ) وَسُئِلَ أَصْبَغُ عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَعْمَلُ لَهُ فِي كَرْمٍ عَلَى جُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْكَرْمِ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِثْلُ مَنْ يَسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ يَحْرُسُ لَهُ الزَّرْعَ، وَلَهُ بَعْضُهُ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى أَمْرِ النَّاسِ إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَلَا يَجِدُونَ الْعَمَلَ إلَّا بِهِ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إذَا عَمَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ كِرَاءُ السُّفُنِ فِي حَمْلِ الطَّعَامِ وَسُئِلَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ عَنْ إعْطَاءِ الْجِبَاحِ لِمَنْ يَخْدُمُهَا بِجُزْءٍ مِنْ غَلَّتِهَا فَقَالَ: " هِيَ إجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ "، وَكَذَلِكَ الْأَفْرَانُ، وَالْأَرْحَاءُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَسْتَبِيحُ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ، وَالْقِرَاضِ، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَجَمَاعَةٍ، وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ الْيَوْمَ عَمَلُ النَّاسِ فِي أُجْرَةِ الدَّلَّالِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا لِقِلَّةِ الْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ الْخِيَانَةِ كَمَا اعْتَذَرَ مَالِكٌ بِمِثْلِ هَذَا فِي إبَاحَةِ تَأْخِيرِ الْأُجْرَةِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ رُبَّمَا لَا يُوفُونَ فَعَدَّ مَالِكٌ هَذَا ضَرُورَةَ إبَاحَةِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَالنَّاسُ مُضْطَرُّونَ لِهَذَا وَاَللَّهُ الْمُخَلِّصُ. انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَنُقِلَ عَلَى قَوْلِهِ فِي فَصْلِ الْجُعْلِ: جُعْلًا عُلِمَ أَنَّ الْجَعَالَةَ عَلَى اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِجُزْءٍ مِمَّا يُقْتَضَى (أَشْهَبُ) لَا يُجِيزُهُ قَالَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَنَقَلَ الشَّارِحُ مَسْأَلَةَ إعْطَاءِ السَّفِينَةِ بِجُزْءٍ عَنْ ابْنِ سِرَاجٍ سُؤَالًا وَجَوَابًا، وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ جَوَابِهِ بِجَوَازِ ذَلِكَ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مُرَاعَاةُ الْمَصْلَحَةِ إذَا كَانَتْ كُلِّيَّةً حَاجِيَّةً، وَهَذَا مِنْهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةً مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ أَجَازُوا الْإِجَارَةَ بِالْجُزْءِ فِي جَمِيعِ الْإِجَارَاتِ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا اُسْتُثْنِيَ جَوَازُهُ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى آخَرَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَالصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ جَوَازُهُ ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ جَوَابِ ابْنِ سِرَاجٍ مَا نَصُّهُ " أَقُولُ إنْ عُمِلَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْفُتْيَا فُتِحَتْ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ ظَاهِرُهَا الْمَنْعُ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَنَظَرُ الشَّيْخِ - ﵀ - فِي هَذِهِ الْفُتْيَا سَدِيدٌ، وَاحْتِجَاجُهُ فِيهَا ظَاهِرٌ - ﵀ - وَنَفَعَ بِهِ اهـ.
وَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ حَيْثُ يُخْتَلَفْ فِي شَأْنِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ إنْ حَلَفْ
وَإِنْ جَرَى النِّزَاعُ قَبْلَ الْعَمَلِ تَحَالَفَا، وَالْفَسْخُ بَيِّنٌ جَلِيِّ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ، وَالْمَعْمُولُ لَهُ فِي شَأْنِ الْأُجْرَةِ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ فَرَاغِ الْعَامِلِ مِنْ عَمَلِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ يَعْنِي إذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، وَهَذَا الْقَيْدُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ النَّاظِمُ فَقَدْ اُعْتُمِدَ عَلَى مَا هُوَ عَامٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ تَقْيِيدِ مَنْ يَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الْعَمَلِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ عَلَى حُكْمِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا، وَعَبَّرَ النَّاظِمُ بِالشَّأْنِ لِيَشْمَلَ الِاخْتِلَافَ فِي وُقُوعِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَعَدَمِ وُقُوعِهِ كَمَا لَوْ قَالَ رَبُّ الشَّيْءِ: لَمْ أَسْتَعْمِلْك فِيهِ وَإِنَّمَا جَعَلْته عِنْدَك وَدِيعَةً، وَيَشْمَلَ أَيْضًا الِاخْتِلَافَ فِي كَوْنِ الْعَمَلِ بِأُجْرَةٍ أَوْ بَاطِلًا بِلَا أَجْرٍ، وَيَشْمَلَ أَيْضًا الِاخْتِلَافَ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ، وَفِي صِفَةِ الْمَصْنُوعِ، وَنَوْعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي وَكَأَنَّ هَذَا تَرْجَمَةٌ لِمَا بَعْدَهُ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قُلْت لَهُ: فَلَوْ أَنَّ صَانِعًا عَمِلَ لِي عَمَلًا فَقُلْت لَهُ إنَّمَا عَمِلْته بَاطِلًا وَقَالَ: إنَّمَا عَمِلْته بِأَجْرٍ كَذَا قَالَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَجْرَ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَإِلَّا رُدَّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْعَمَلِ، وَادَّعَى: أَنَّهُ وَهَبَهُ إيَّاهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا حَلَفَ الصَّانِعُ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ.
(قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ)، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَبُّ الْعَمَلِ لَمْ أَسْتَعْمِلْك فِيهِ وَإِنَّمَا جَعَلْتُهُ عِنْدَك وَدِيعَةً فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُ الْعَامِلِ لِأَنَّ الصُّنَّاعَ الْأَمْرُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ وَلَوْ جَازَ قَوْلُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ لَذَهَبُوا بِأَعْمَالِهِمْ بَاطِلًا.
(وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) فَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَمَلِ فَقَالَ رَبُّ الْمُبْتَاعِ: آجَرْتُك بِكَذَا، وَقَالَ الصَّانِعُ: بَلْ بِكَذَا وَكِلَاهُمَا يُشْبِهُ فَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ، وَلَهُ الْمُسَمَّى مِنْ الْأُجْرَةِ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَإِنْ تَخَالَفَا فِي الثَّمَنِ قَبْلَ الْعَمَلِ غَالِبًا.
وَإِنْ يَكُنْ فِي صِفَةِ الْمَصْنُوعِ أَوْ نَوْعِهِ النِّزَاعُ ذَا وُقُوعِ
فَالْقَوْلُ لِلصَّانِعِ مِنْ بَعْدِ الْحَلِفْ وَذَاكَ فِي مِقْدَارِ أُجْرَةٍ عُرِفْ
فَإِنْ يَكُنْ مِنْهُ نُكُولٌ حَلَفَا رَبُّ الْمَتَاعِ وَلَهُ مَا وَصَفَا
يَعْنِي إذَا تَنَازَعَ الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ لَهُ إمَّا فِي صِفَةِ الْمَصْنُوعِ، أَوْ فِي نَوْعِهِ، أَوْ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ قَوْلُ الصَّانِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَإِنْ نَكَلَ الصَّانِعُ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ رَبُّ الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ وَيَكُونُ لَهُ مَا قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ (قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ) فَإِنْ قَالَ الْحَائِكُ: أَمَرْتَنِي أَنْ أَنْسِجَ ثَوْبَك ثَلَاثًا فِي سِتَّةٍ، وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ سَبْعًا
[ ٢ / ١٠٣ ]
فِي أَرْبَعٍ فَالْحَائِكُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى قَالَ مُحَمَّدٌ: " وَإِنْ اخْتَلَفَ الْحَائِكُ، وَصَاحِبُ الثَّوْبِ قَبْلَ الْعَمَلِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا "، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصُّنَّاعِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ اخْتَلَفَ الصَّانِعُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فَقَالَ الصَّانِعُ عَمِلْته بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ بِدِرْهَمَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ " كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِهِ، (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) فَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأُجْرَةِ فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا وَالْكَثِيرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا فَاتَ الثَّوْبُ وَأَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُشْبِهُ وَأَشْبَهَ مَا قَالَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ حَلَفَ، وَغَرِمَ فِي أُجْرَةِ الصَّانِعِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ اهـ.
(وَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ) إنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي خِيَاطَةٍ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا عَرَبِيَّةٌ، وَقَالَ الْآخِرُ: رُومِيَّةٌ، وَأَتَيَا جَمِيعًا بِمَا يُشْبِهُ فِي الْخِيَاطَةِ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي صُنْعٍ فَقَالَ: أَحَدُهُمَا أَحْمَرُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْضَرُ، وَأَشْبَهَ مَا قَالَا لِكَوْنِ الصَّبَّاغِ يَصْبِغُ الصِّبْغَيْنِ وَالثَّوْبُ مِمَّا يَحْسُنُ أَنْ يُصْبَغَ بِهِمَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: فَأَصْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الصَّانِعِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ، وَيَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى مِنْ الْإِجَارَةِ اهـ.
وَالنِّزَاعُ اسْمُ يَكُنْ، وَذَا وُقُوعِ خَبَرُهَا فِي صِفَةٍ يَتَعَلَّقُ بِوُقُوعِ، وَنَوْعُهُ عَطْفٌ عَلَى صِفَةٍ، وَقَوْلُهُ: " فَالْقَوْلُ لِلصَّانِعِ " مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ " وَإِنْ يَكُنْ " وَالْإِشَارَةُ بِذَاكَ لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الصَّانِعِ وَضَمِيرُ مِنْهُ لِلصَّانِعِ وَضَمِيرُ لَهُ لِرَبِّ الْمَتَاعِ
وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَانِعِ الْمَتَاعِ فِي تَنَازُعٍ فِي الرَّدِّ مَعَ حَلْفٍ قُفِيّ
يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الصَّانِعُ، وَرَبُّ الْمَتَاعِ الْمَصْنُوعِ فِي الرَّدِّ فَقَالَ الصَّانِعُ: رَدَدْت إلَيْك شَيْئَك، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مَازَالَ عِنْدَك، وَلَمْ تَرُدَّهُ إلَيَّ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَتَاعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَا عَمِلَهُ بِأَجْرٍ أَوْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
(قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ): قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لَهُ: فَإِنْ قَالَ الصُّنَّاعُ لِأَرْبَابِ السِّلَعِ قَدْ رَدَدْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَكَانُوا قَدْ اُسْتُعْمِلُوا بِأَجْرٍ، أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَقَدْ دُفِعَتْ الْأَعْمَالُ إلَيْهِمْ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: " عَلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ دَفَعُوا السِّلَعَ إلَى أَهْلِهَا وَإِلَّا غُرِّمُوا سَوَاءٌ دَفَعُوا إلَيْهِمْ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، عَمِلُوا بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَمِثْلُهُ فِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ الشَّارِحِ وَجُمْلَةُ قُفِيّ أَيْ تُبِعَ بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ صِفَةُ الْحَلِفِ فَالْحَلِفُ مَتْبُوعٌ، وَالتَّابِعُ لَهُ الْحُكْمُ بِكَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ قُرِئَ قَفَى بِفَتْحِ الْقَافِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ الْحَلِفُ فَيَكُونُ الْحَلِفُ تَبَعًا لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي هُوَ كَوْنُ الْقَوْلِ قَوْلَ صَاحِبِ الْمَتَاعِ لَكَانَ أَظْهَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ إنْ كَانَ سَأَلْ بِالْقُرْبِ مِنْ فَرَاغِهِ أَجْرَ الْعَمَلْ
بَعْدَ يَمِينِهِ لِمَنْ يُنَاكِرُ وَبَعْدَ طُولٍ يَحْلِفُ الْمُسْتَأْجِرُ
يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الصَّانِعُ، وَالْمَصْنُوعُ لَهُ فِي دَفْعِ الْأُجْرَةِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ: دَفَعَتْ الْأُجْرَةَ وَقَالَ الصَّانِعُ لَمْ تَدْفَعْ إلَيَّ شَيْئًا فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ قِيَامُ الصَّانِعِ بِالْقُرْبِ مِنْ فَرَاغِهِ مِنْ الْعَمَلِ، فَالْقَوْلُ لِلصَّانِعِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ كَانَ قِيَامُهُ بَعْدَ طُولٍ، فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَتَاعِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ دَفَعَ الْأُجْرَةَ، وَالْقُرْبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمَانِ، وَنَحْوُهُمَا، وَالطُّولُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ (قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ): قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قِيلَ لِمَالِكٍ: فَالصُّنَّاعُ إذَا دَفَعُوا مَا اُسْتُعْمِلُوا فِيهِ إلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ، ثُمَّ أَتَوْا يَطْلُبُونَ حُقُوقَهُمْ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ إذَا قَامُوا بِحِدْثَانِ مَا دَفَعُوا الْمَتَاعَ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَتَاعِ اهـ.
وَمَحَلُّ هَذَا التَّفْصِيلِ بَعْدَ دَفْعِ الْمَتَاعِ لِرَبِّهِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ وَلَوْ بَعْدَ طُولٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَالْوَصْفُ مِنْ مُسْتَهْلِكٍ لِمَا تَلَفْ فِي يَدِهِ يُقْضَى بِهِ بَعْدَ الْحَلِفْ
وَشَرْطُهُ إتْيَانُهُ بِمُشْبِهِ وَإِنْ لِجَهْلٍ أَوْ نُكُولٍ يَنْتَهِي
فَالْقَوْلُ قَوْلُ خَصْمِهِ فِي وَصْفِهِ مُسْتَهْلَكًا بِمُشْبِهٍ مَعَ حَلْفِهِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الصُّنَّاعِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَلَزِمَهُ غُرْمُهُ، فَإِنَّهُ يُغَرَّمُ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَهَذَا يَأْتِي فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذِهِ ثُمَّ اتَّفَقَ الْمَالِكُ
[ ٢ / ١٠٤ ]
لِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْمُسْتَهْلِكُ لَهُ عَلَى صِفَةِ ذَلِكَ الْمُسْتَهْلَكِ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ الْمُسْتَهْلِكَ يُغَرَّمُ مِثْلَهُ فِي الْوَصْفِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وَصْفِهِ فَوَصَفَهُ مَالِكُهُ بِأَحْسَنَ مِمَّا وَصَفَهُ بِهِ مُسْتَهْلِكُهُ فَإِنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ الْمُسْتَهْلِكُ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى وَصْفِهِ بِهِ، وَهَذَا إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: " وَالْوَصْفُ مِنْ مُسْتَهْلِكٍ " إلَى قَوْلِهِ " إتْيَانُهُ بِمُشْبِهٍ "، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى فِي صِفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْوَصْفِ وَالْيَمِينِ وَعَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَهْلَكِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ أَيْضًا، وَحُكْمُهُ كَمَا يَذْكُرُهُ النَّاظِمُ فِيمَا إذَا جَهِلَ الْمُسْتَهْلِكُ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ): مَنْ غَصَبَ أَمَةً، وَادَّعَى هَلَاكَهَا، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا صُدِّقَ الْغَاصِبُ فِي الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ وَإِلَّا صُدِّقَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ اهـ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَلَى قَوْلِهِ فِي بَابِ الْغَصْبِ، وَالْقَوْلُ لَهُ فِي تَلَفِهِ، وَنَعْتِهِ، وَقَدْرِهِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: " صُدِّقَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ " يَعْنِي إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاظِمُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَهْلِ وَالنُّكُولِ قَوْلُهُ: " وَإِنْ لِجَهْلٍ أَوْ نُكُولٍ إلَخْ. . . " لَمَّا ذَكَرَ: أَنَّ الْمُسْتَهْلِكَ هُوَ الَّذِي يَصِفُ الشَّيْءَ الْمُسْتَهْلَكَ مَعَ يَمِينِهِ ذَكَرَ هُنَا: أَنَّهُ إذَا ادَّعَى جَهْلَ صِفَتِهِ، أَوْ عِلْمَهَا، وَوَصَفَهُ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَهْلَكِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى أَيْضًا بِمَا يُشْبِهُ، فَقَوْلُهُ: " وَالْوَصْفُ " مُبْتَدَأٌ، أَوْ " لِمَا تَلِفْ " يَتَعَلَّقُ بِهِ " فِي يَدِهِ " يَتَعَلَّقُ بِ " تَلِفْ "، وَالضَّمِيرُ لِلْأَجِيرِ لِتَقَدُّمِهِ فِي أَوَّلِ الْبَيْتَيْنِ قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ الْأَجِيرِ قَدْ يَصِفُ أَيْضًا مَا اسْتَهْلَكَهُ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ أَوَّلَ شَرْحِ الْأَبْيَاتِ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ " وَمِنْ مُسْتَهْلِكٍ " خَبَرُ الْوَصْفِ وَكَأَنَّهُ أَوْقَعَ الظَّاهِرَ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِأَنَّ الْمُسْتَهْلِكَ هُوَ الْأَجِيرُ أَيْ وَالْوَصْفُ لِمَا تَلِفَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ يَكُونُ مِنْهُ، وَجُمْلَةُ " يُقْضَى بِهِ " خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَبَعْدَ الْحَلِفِ يَتَعَلَّقُ بِيَقْضِي، وَضَمِيرُ شَرْطِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الْوَصْفِ مِنْ الْمُسْتَهْلِكِ، وَ" لِجَهْلٍ " يَتَعَلَّقُ بِيَنْتَهِي، وَفَاعِلُ يَنْتَهِي يَعُودُ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ بِالْكَسْرِ، وَمَعْنَى " يَنْتَهِي " لِجَهْلٍ أَوْ نُكُولٍ أَيْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا، وَالْمُرَادُ بِخَصْمِهِ رَبُّ الشَّيْءِ الْمُسْتَهْلَكِ وَ" فِي وَصْفِهِ " يَتَعَلَّقُ بِ " قَوْلُ " الثَّانِي وَ" مُسْتَهْلَكًا " بِفَتْحِ اللَّامِ مَفْعُولُ " وَصْفِ " وَ" بِمُشْبِهٍ " يَتَعَلَّقُ بِوَصْفِهِ وَمَعَ حَلِفِهِ حَالُ " قَوْلُ " الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكُلُّ مَنْ ضُمِّنَ شَيْئًا أَتْلَفَهْ فَهْوَ مُطَالَبٌ بِهِ أَنْ يُخْلِفَهْ
وَفِي ذَوَاتِ الْمِثْلِ مِثْلٌ يَجِبُ وَقِيمَةٌ فِي غَيْرِهِ تُسْتَوْجَبُ
لَمَّا عَيَّنَ الْوَاصِفَ لِلشَّيْءِ الْمُسْتَهْلَكِ ذَكَرَ هُنَا مَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَهْلِكُ بَعْدَ الْوَصْفِ وَالْيَمِينِ فَأَخْبَرَ هُنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِإِتْلَافِهِ فَإِنَّهُ مُطَالَبٌ بِإِخْلَافِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُتْلَفُ بِالْفَتْحِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ (فِي الْمَعُونَةِ) إذَا أَتْلَفَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا لَزِمَهُ بَدَلُ الْمُتْلَفِ إلَى صَاحِبِهِ وَالْبَدَلُ نَوْعَانِ مِثْلٌ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ، وَمِثْلٌ مِنْ طَرِيقِ الْقِيمَةِ، فَاَلَّذِي مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ لَزِمَهُ رَدُّ مِثْلِهِ لَا قِيمَتِهِ وَذَلِكَ كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَسَائِرِ الْمَأْكُولَاتِ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمِثْلِ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْحُكْمِ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَعْدِيلِهَا بِالْمُتْلَفِ وَالْمِثْلُ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ لَا اجْتِهَادَ فِيهِ فَكَانَ ذَلِكَ كَالِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فَأَمَّا مَا لَا يُكَالُ، وَلَا يُوزَنُ كَالثِّيَابِ، وَسَائِرِ الْعُرُوضِ، وَالرَّقِيقِ، وَالْحَيَوَانِ فَيَلْزَمُهُ بِإِتْلَافِهِ قِيمَتَهُ دُونَ مِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ خِلَافًا لِمَنْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُكَالُ، وَلَا يُوزَنُ فَالْغَرَضُ مِنْهُ عَيْنُهُ دُونَ مِثْلِهِ، فَوَجَبَ فِيهِ قِيمَةُ الْعَيْنِ، وَمَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ الْغَرَضُ مَبْلَغُهُ فِيهِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ