ِ الْإِعْذَارُ مَصْدَرُ أَعْذَرَ إعْذَارًا إذَا بَالَغَ فِي طَلَبِ الْعُذْرِ
وَقَبْلَ حُكْمٍ يَثْبُتُ الْإِعْذَارُ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَذَا الْمُخْتَارُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ فَإِنْ قَالَ لَا حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً أَجَّلَهُ إلَيْهَا وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بَعِيدَةً حَكَمَ عَلَيْهِ وَكَتَبَ فِي كِتَابٍ وَمَتَى أَحْضَرَهَا فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ وَإِنْ عَجَزَ وَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا حُكِمَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْإِعْذَارُ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ الْعَمَلُ فَقَوْلُهُ وَذَا الْمُخْتَارُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ الْإِشَارَةُ إلَى كَوْنِ الْإِعْذَارِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ بَعْدَهُ وَهُمَا قَوْلَانِ كَمَا يَأْتِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إلَى قَوْلِهِ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَيَكُونُ مُقَابِلُهُ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِعْذَارُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ. (قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يُنَفِّذَ حُكْمَهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يُعْذِرَ إلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ وَإِنْ أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، وَاسْتَدَلَّ قَائِلُ هَذَا بِقَوْلِهِ - ﷺ - «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَتُؤْخَذُ صِحَّةُ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَنُدِبَ مُتَعَدِّدٌ فِيهِ حَيْثُ جَعَلَ التَّعَدُّدَ مُسْتَحَبًّا لَا وَاجِبًا، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ (ابْنُ عَرَفَةَ) الْإِعْذَارُ سُؤَالُ الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُوجِبُ حُكْمٍ هَلْ لَهُ مَا يُسْقِطُهُ؟ قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ وَغَيْرُهُ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي تَنْفِيذُ حُكْمٍ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يُعْذِرَ إلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] الْآيَةَ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَقِيلَ يُعْذِرُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَبِهِ الْعَمَلُ، وَقِيلَ: يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْذِرُ إلَيْهِ وَعَلَى تَقْدِيمِ الْإِعْذَارِ قَبْلَ الْحُكْمِ ذَهَبَ النَّاظِمُ. (فَرْعٌ) .
إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حُجَّةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَكَذَا إنْ أَعْذَرَ إلَيْهِ وَلَمْ يُعْجِزْهُ، نَقَلَهُ الْيَرْنَاسَنِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَدْ اسْتَطْرَدَ
[ ١ / ٣٩ ]
الشَّارِحُ هُنَا ذِكْرَ الْخِلَافِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِمَا فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَأَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجْتَزِي بِمُجَرَّدِ فَهْمِهِ أَوْ لَا مِنْ تَحْقِيقِ مَا يَسْمَعُ مِنْهُمَا دُونَ احْتِمَالٍ؟ وَكَذَا نَقَلَ الْخِلَافَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْفَهْمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي إعْمَالِ الشَّهَادَةِ بِمَا يَظْهَرُ مَنْ قَصْدِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِ ثَالِثَهَا، وَيُثْبِتُ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِذَلِكَ اهـ. أَيْ يُبَيِّنُ أَنَّ شَهَادَتَهُ بِالْفَهْمِ لَا بِالتَّصْرِيحِ، ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَى الشَّهَادَةِ بِالْفَهْمِ لَا سِيَّمَا الشَّهَادَةَ الاسترعائية، وَالْحُكْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى إنْفَاذِ الْحُكْمِ دُونَ تَحْقِيقِ الْفَهْمِ عَلَى الْخَصْمَيْنِ قَالَ وَالشَّهَادَةُ الْأَصْلِيَّةُ مِثْلُهُ، وَانْظُرْ الْبَابَ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونَ
وَشَاهِدُ الْإِعْذَارِ غَيْرُ مُعْمَلِ فِي شَأْنِهِ الْإِعْذَارُ لِلتَّسَلْسُلِ
وَلَا الَّذِي وَجَّهَهُ الْقَاضِي إلَى مَا كَانَ كَالتَّحْلِيفِ مِنْهُ بَدَلَا
وَلَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ شَهِدْ وَلَا اللَّفِيفُ فِي الْقَسَامَةِ اُعْتُمِدْ
وَلَا الْكَثِيرُ فِيهِمْ الْعُدُولُ وَالْخُلْفُ فِي جَمِيعِهَا مَنْقُولُ
عَدَّدَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مِنْ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يُعْذَرُ فِيهِمْ أَيْ لَا يُجَرَّحُونَ خَمْسَةٌ.
(الْأَوَّلُ) الشَّاهِدُ عَلَى الْمَحْكُومِ بِالْإِعْذَارِ أَيْ بِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ فَإِذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ثُمَّ أَتَى بِحُجَّةٍ تُقْبَلُ لَوْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ، وَأَنْكَرَ الْإِعْذَارَ فَاسْتَظْهَرَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدِ الْإِعْذَارِ فَأَرَادَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْإِعْذَارَ فِي الشَّاهِدِ بِتَجْرِيحِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْإِعْذَارِ فَإِذَا أُمْكِنَ مِنْ تَجْرِيحِ شَاهِدِ الْإِعْذَارِ وَجَرَّحَهُ بَطَلَ وَصَارَ كَالْعَدَمِ وَتَعَذَّرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِعْذَارِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ تَجْرِيحَ شَاهِدِهِ فَيَتَعَذَّرُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَبَدًا وَهَذَا مُرَادُهُ بِالتَّسَلْسُلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْإِعْذَارُ الْأَوَّلُ فِي الْبَيْتِ هُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَطْعُ الْحُجَّةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِتَجْرِيحِ الشُّهُودِ أَوْ حُجَّةِ غَيْرِهِ فَيُقَالُ لِمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ: شَهِدَ عَلَيْك فُلَانٌ وَفُلَانٌ بَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَجْرِيحِهِمَا أَوْ مُعَارَضَةِ شَهَادَتِهِمَا بِمَا يُبْطِلُهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَالْإِعْذَارُ الثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ التَّجْرِيحُ لَا غَيْرُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِعْذَارَ هُوَ مِنْ حَقِّ الْقَاضِي فَإِذَا كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حَاضِرًا بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَقْتَ الْإِعْذَارِ لَمْ يُجَرِّحْ شَاهِدَهُ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِمَا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَا يُجَرَّحُ كَمَا يَقُولُهُ النَّاظِمُ:
وَلَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ شَهِدْ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لِكَوْنِهِ مَرِيضًا أَوْ امْرَأَةً لَا تَخْرُجُ فَوَجَّهَ إلَيْهِ الْقَاضِي مَنْ يُعْذِرُ إلَيْهِ فَلَا يُعْذِرُ أَيْضًا فِي الشَّاهِدِ الْمُوَجَّهِ لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ أَيْضًا
وَلَا الَّذِي وَجَّهَهُ الْقَاضِي إلَى مَا كَانَ كَالتَّحْلِيفِ مِنْهُ بَدَلَا
فَمَسْأَلَةُ النَّاظِمِ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَشَاهِدُ الْإِعْذَارِ) الْبَيْتِ آيِلَةٌ إلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَقَدْ عَادَتْ الْمَسَائِلُ الْخَمْسُ أَرْبَعًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا بِالْخُصُوصِ؛ لِإِرَادَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ.
(وَغَيْرُ مُعْمَلٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَعْمَلَ وَفِي شَأْنِهِ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَالْإِعْذَارُ نَائِبُ فَاعِلِ مُعْمَلٍ. (الثَّانِي) مِنْ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يُعْذَرُ فِيهِمْ مَنْ وَجَّهَهُ الْقَاضِي نِيَابَةً عَنْهُ لِتَحْلِيفٍ أَوْ حِيَازَةٍ وَنَحْوِهَا. (الثَّالِثُ) الشَّاهِدُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي.
(قَالَ فِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ إنَّمَا يُعْذَرُ فِي الَّذِينَ حَضَرُوا الْحِيَازَةَ إذَا لَمْ يُوَجِّهْهُمْ الْقَاضِي لِحُضُورِ الْحِيَازَةِ وَإِنَّمَا تَوَجَّهُوا بِرَغْبَةِ الطَّالِبِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا أَرْسَلَهُمْ الْقَاضِي فَلَا يُبَاحُ الْمَدْفَعُ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَقَامُ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَجَعَلَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ وَلِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ قَالَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلِابْنِ رُشْدٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ دُونَ إعْذَارٍ قَالَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ. (الرَّابِعُ) إذَا شَهِدَ اللَّفِيفُ وَهُمْ جَمَاعَةٌ غَيْرُ عُدُولٍ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ عَلَى أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ لَوْثٌ تَجِبُ مَعَهُ الْقَسَامَةُ أَوْ لَيْسَ بِلَوْثٍ؟ وَالْمَشْهُورُ لَيْسَ بِلَوْثٍ وَعَلَى كَوْنِهِ لَوْثًا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ
وَلَا اللَّفِيفُ فِي الْقَسَامَةِ اُعْتُمِدَ
فَلَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ عَدَمُ الْعَدَالَةِ وَلَا يُجَرَّحُونَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ وَعَدَّهَا
[ ١ / ٤٠ ]
لَوْثًا إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ فَكَيْفَ يُجَرِّحُ مَنْ دُخِلَ عَلَى عَدَمِ عَدَالَتِهِ وَتَجْرِيحِهِ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلنَّاظِمِ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ فِي أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ حَيْثُ قَالَ:
أَوْ بِكَثِيرٍ مِنْ لَفِيفِ الشُّهَدَا
إلَخْ (الْخَامِسُ) شَهَادَةُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ مِنْهُمْ عُدُولٌ أَوْ غَيْرُهُمْ فَلَا يُجَرَّحُونَ أَيْضًا وَلَا يُعْذَرُ فِيهِمْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ أَبِي الْخَيْرِ الزِّنْدِيقِ الْمُلَقَّبِ لِزَنْدَقَتِهِ بِأَبِي الشَّرِّ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الزَّنْدَقَةِ الْوَاضِحَةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ نَحْوِ عِشْرِينَ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُ مِنْ ضِعْفِهِمْ اسْتِظْهَارًا فَأَفْتَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَصَاحِبُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ بِقَتْلِهِ دُونَ إعْذَارٍ، وَأَشَارَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فَأَخَذَ النَّاظِرُ فِي أَمْرِهِ بِالْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِعْذَارِ اهـ.
مِنْ الشَّارِحِ. (وَفِي التَّوْضِيحِ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُعْذَرُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا لَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِمَحْضَرِ الْقَاضِي فَهَلْ يُعْذَرُ إلَيْهِ فِيهِمْ أَوْ لَا يُعْذَرُ لِكَوْنِهِ سَمِعَ إقْرَارَهُ مَعَهُمْ؟ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: لِابْنِ الْفَخَّارِ وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ وَبِهِ مَضَى الْعَمَلُ. (قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ) يُعْذَرُ فِي كُلِّ الشُّهُودِ إلَّا خَمْسَةً: أَوَّلُهَا: هَذَا. ثَانِيهَا: مَنْ وَجَّهَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، ثَالِثُهَا: الْمُزَكِّي فِي السِّرِّ رَابِعُهَا: الْمُبْرَزُ فِي الْعَدَالَةِ وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ بِالْعَدَاوَةِ لَا غَيْرُ، خَامِسُهَا: مَنْ قُبِلَ شَهَادَتُهُ بِالتَّوَسُّمِ (خَلِيلٌ) وَتَزْدَادُ سَادِسَةٌ نُقِلَتْ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى وَزِيرٍ فِي قَضِيَّةٍ وَهُوَ غَائِبٌ فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ أَخْبِرْنِي بِمَنْ شَهِدَ عَلَيَّ فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مِثْلُك لَا يُخْبَرُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ يَعْنِي، وَإِنْ كَانَ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُخْبَرُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِالشَّهَادَةِ فَلَعَلَّ لَهُ حُجَّةً وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ اهـ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ مِنْ هَذِهِ السِّتِّ إلَّا الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، فَمَجْمُوعُهَا إذًا تِسْعُ مَسَائِلَ خَمْسَةٌ فِي النَّظْمِ وَأَرْبَعَةٌ فِي التَّوْضِيحِ، وَهِيَ الثَّالِثَةُ وَمَا بَعْدَهَا وَانْظُرْ تَزْكِيَةَ السِّرِّ فِي قَوْلِهِ:
وَشَاهِدٌ تَعْدِيلُهُ بِاثْنَيْنِ
الْبَيْتَيْنِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ - وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِالتَّوَسُّمِ - هِيَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدَ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ الَّتِي حَلُّوا أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا سُخْطَةٍ إلَّا عَلَى التَّوَسُّمِ لَهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ خَاصَّةً، وَالتَّوَسُّمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَسْمِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ.
(وَعَنْهُ - ﷺ -) «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» اُنْظُرْ الْبَابَ السَّادِسَ وَالثَّلَاثِينَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَسَتَأْتِي هَذِهِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ
وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرْ زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ