(فَصْلٌ فِي الِاعْتِصَارِ) (ابْنُ عَرَفَةَ) الِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى فَقَوْلُهُ: دُونَ عِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ شِرَاءَ الْهِبَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى أَخْرَجَ بِهِ هِبَةَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ.
وَالِاعْتِصَارُ جَازَ فِيمَا يَهَبُ أَوْلَادَهُ قَصْدَ الْمَحَبَّةِ الْأَبُ
وَالْأُمُّ مَا حَيٌّ أَبٌ تَعْتَصِرُ وَحَيْثُ جَازَ الِاعْتِصَارُ يُذْكَرُ
الِاعْتِصَارُ رُجُوعُ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَا يَعْتَصِرُ إلَّا الْأَبُ وَالْأُمُّ فَلِذَلِكَ خَصَّهُمَا الشَّيْخُ فَقَالَ فِيمَا يَهَبُ الْأَبُ وَالْأُمُّ، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَعْتَصِرُ، فَلَا يَعْتَصِرُ جَدٌّ وَلَا جَدَّةٌ وَلَا عَمٌّ وَلَا عَمَّةٌ وَلَا الْوَلَدُ مِنْ أَبِيهِ فَالْأَبُ يَعْتَصِرُ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ كَانَ لِلْوَلَدِ أُمٌّ أَوْ لَمْ تَكُنْ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ، كَمَا يَذْكُرُ فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ فِي اعْتِصَارِ الْأُمِّ عَلَى تَفْصِيلِهِ الْآتِي.
وَأَمَّا الْأُمُّ تَهَبُ لِوَلَدِهَا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ فَلَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَالْأُمُّ مَا حَيٌّ أَبٌ تَعْتَصِرُ
فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَقَدْ كَانَتْ وَهَبَتْ فِي حَيَاتِهِ فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ تَعْتَصِرُ، فَإِنْ وَهَبَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا لِأَنَّهُ يَتِيمٌ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَهَبُ أَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِصَارِ الْهِبَةُ لَا الصَّدَقَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(ابْنُ يُونُسَ) رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا إلَّا لِلْوَلَدِ
[ ٢ / ١٥٧ ]
قَالَ مَالِكٌ): فَكُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِبَارَ فِيهَا لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالنِّحْلَةُ وَالْعُمْرَى فَلَهُمَا الِاعْتِصَارُ فِي ذَلِكَ (وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ) هِبَتُهُ لِابْنِهِ لِلصِّلَةِ لَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا وَكَذَا هِبَتُهُ لِضَعْفِهِ وَخَوْفِ الْخَصَاصَةِ عَلَيْهِ (وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ) كُلُّ هِبَةٍ لِوَلَدِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِطَلَبِ الْأَجْرِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ لَا تُعْتَصَرُ. (ابْنُ عَرَفَةَ) الْمَذْهَبُ صِحَّةُ اعْتِصَارِ الْأَبِ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ صَغِيرًا كَانَ الِابْنُ أَوْ كَبِيرًا، وَمَعْرُوفٌ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأُمَّ مِثْلُهُ (وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) لَا يَجُوزُ الِاعْتِصَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا لِلْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا (اللَّخْمِيُّ) وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يَوْمَ الْعَطِيَّةِ فَلَمْ تَعْتَصِرْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا تَعْتَصِرُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى وَقْتَ الْعَطِيَّةِ، هَلْ كَانَتْ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ مَا وَهَبَتْ الْأُمُّ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ وَلَا أَبَ لَهُمْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَيُعَدُّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ ا. هـ.
وَانْظُرْ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الْكَبِيرِ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ هَلْ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَهُ أَوْ لَا، ظَاهِرُ مَا نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ أُصُولِ الْفُتْيَا أَنَّهَا تَعْتَصِرُ وَلَفْظُهُ فِي أُصُولِ الْفُتْيَا، وَالْأُمُّ تَعْتَصِرُ مَا وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا، كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَمْ تَعْتَصِرْ شَيْئًا مِنْ هِبَتِهَا لِلصِّغَارِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلْأَيْتَامِ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ لَا تُعْتَصَرُ اهـ.
فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَمْ تَعْتَصِرْ شَيْئًا مِنْ هِبَتِهَا لِلصِّغَارِ إلَخْ أَنَّهَا تَعْتَصِرُ هِبَتَهَا لِلْكِبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَطَّابُ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ كَأُمٍّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ، هَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ كَبِيرًا فَتَعْتَصِرُ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّاظِمِ:
وَحَيْثُ جَازَ الِاعْتِصَارُ يُذْكَرُ
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ أَنْ يَذْكُرَ فِي وَثِيقَةِ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُعْتَصَرُ أَنَّ الْوَاهِبَ سَلَّطَ عَلَيْهَا حُكْمَ الِاعْتِصَارِ؛ لِئَلَّا يُنَازَعَ الْوَاهِبُ إذَا اعْتَصَرَ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُوَثِّقِينَ حَسْمُ مَوَادِّ الْخِلَافِ، وَارْتِكَابُ الْوَجْهِ الَّذِي لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ فَلِذَلِكَ يَكْتُبُونَ إذْنَ الْمَضْمُونِ لِلضَّامِنِ فِي الضَّمَانِ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ اعْتِبَارِ إذْنِهِ وَمَعَ إذْنِهِ لَا خِلَافَ فِي اللُّزُومِ، وَكَذَلِكَ يَكْتُبُونَ فِي وَثَائِقِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَنَزَلَ الْمُبْتَاعُ فِيمَا ابْتَاعَ، وَأَبْرَأَ الْبَائِعَ مِنْ دَرْكِ الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّهُ بِنُزُولِهِ فِيمَا ابْتَاعَ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْ الْبَائِعِ اتِّفَاقًا وَقَبْلَ نُزُولِهِ لَا يَسْقُطُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: الْبَيْعُ الْعَقْدُ مَعَ الْقَبْضِ لَا الْعَقْدُ فَقَطْ، فَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى قَوْلِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ فَعَمِلُوا عَلَى الْإِنْزَالِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَاحِدِ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي نَظْمِ إيضَاحِ الْمَسَالِكِ: لِوَالِدِهِ سَيِّدِي أَحْمَدَ مَا نَصُّهُ:
وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَشْهَبَا أَوْرَدَهُ الْمُوَثِّقُونَ الْكُتُبَا
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِينَ كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَضُمِّنَ الْوِفَاقُ فِي الْحُضُورِ إنْ كَانَ الِاعْتِصَارُ مِنْ كَبِيرِ
وَكُلُّ مَا يَجْرِي بِلَفْظِ الصَّدَقَهْ فَالِاعْتِصَارُ أَبَدًا لَنْ يَلْحَقَهْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ اعْتَصَرَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ يَنُصُّ فِي وَثِيقَةِ الِاعْتِصَارِ عَلَى حُضُورِ الِابْنِ الْمَذْكُورِ وَمُوَافَقَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ إذْ يَدَّعِي الصَّدَقَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ، فَحُضُورُهُ يَرْفَعُ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ يَلِيه مِنْ ذِكْرِ الِاعْتِصَارِ وَمُوَافَقَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) فِي آخِرِ وَثِيقَةِ الِاعْتِصَارِ: مَا نَصُّهُ " وَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا قُلْتُ: وَبِمَحْضَرِ الِابْنِ وَمُوَافَقَتِهِ عَلَى ذَلِكَ " اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَكُلُّ مَا يَجْرِي بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ
الْبَيْتَ فَأَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ: وَكُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهَا لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالْعُمْرَى فَلَهُمَا الِاعْتِصَارُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَوَّاق
[ ٢ / ١٥٨ ]
وَلَا اعْتِصَارَ مَعَ مَوْتٍ أَوْ مَرَضْ لَهُ أَوْ النِّكَاحِ أَوْ دَيْنٍ عَرَضْ
وَفَقْرُ مَوْهُوبٍ لَهُ مَا كَانَا لِمَنْعِ الِاعْتِصَارِ قَدْ أَبَانَا
ذَكَرَ فِي الْبَيْتَيْنِ مَوَانِعَ الِاعْتِصَارِ يَمْنَعُ مِنْهُ مَوْتُ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مَرَضُهُ الْمُسْتَمِرُّ لِلْمَوْتِ وَنِكَاحُهُ وَأَخْذُهُ لِلدَّيْنِ إذَا كَانَ الْمَرَضُ الْمَذْكُورُ وَمَا بَعْدَهُ حَادِثًا عَارِضًا بَعْدَ الْهِبَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: عَرَضْ، أَمَّا إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَقْتَهَا مَرِيضًا أَوْ مُتَزَوِّجًا أَوْ مَدِينًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ فَقْرُ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَا كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا لِأَنَّ فَقْرَهُ قَرِينَةُ إرَادَةِ الصَّدَقَةِ (قَالَ فِي أُصُولِ الْفُتْيَا) قَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ أَصْلِ قَوْلِهِمْ: أَنَّ كُلَّ وَاهِبٍ هِبَةً، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا، وَلَا يَرْجِعَ فِيهَا حَاشَا الْأَبِ وَالْأُمِّ فِيمَا وَهَبَا لِأَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّ الِاعْتِصَارَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ جَائِزٌ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ التَّفْسِيرِ.
أَمَّا الْوَالِدُ فَيَجُوزُ لَهُ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ، كَانَ لِلْوَلَدِ أُمٌّ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثْ الْوَلَدُ دَيْنًا أَوْ يَنْكِحْ أَوْ يَطَأْ، إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ جَارِيَةً أَوْ يَبِيعُ الْهِبَةَ أَوْ يَمْرَضُ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ الِاعْتِصَارُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَوْتٌ لِلْهِبَةِ، وَإِنَّمَا يَعْتَصِرُ مَا لَمْ يَفُتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَهَبَ لَهُ وَقَدْ اسْتَدَانَ أَوْ نَكَحَ أَوْ مَرِضَ، فَيَجُوزُ لَهُ الِاعْتِصَارُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُدَايَنْ وَلَمْ يَنْكِحْ عَلَى تِلْكَ الْهِبَةِ (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْتُ: فَمَنْ وَهَبَ لِأَوْلَادٍ لَهُ صِغَارٍ هِبَةً وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُمْ فَبَلَغُوا وَلَمْ يُحْدِثُوا دَيْنًا وَلَا نَكَحُوا، فَأَرَادَ الْأَبُ أَنْ يَعْتَصِرَ هِبَتَهُ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَ لَهُمْ وَهُمْ كِبَارٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ هِبَتَهُ، مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا أَوْ يَنْكِحُوا، وَالْعَطِيَّةُ وَالنَّحْلُ فِي الِاعْتِصَارِ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَإِذَا كَانَتْ هِبَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى فَقِيرٍ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ يَعْتَصِرَانِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ عَلَى فَقِيرٍ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ صِلَتَهُ وَالْأَجْرَ. انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَكَمَا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ مَرَضُ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، كَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مَرَضُ الْوَاهِبِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ (ابْنُ الْحَاجِبِ)، وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَكَذَلِكَ، وَرَوَى أَشْهَبُ إنْ مَرِضَ الْأَبُ فَلَهُ، وَقَالَ أَيْضًا فَلَيْسَ لَهُ (التَّوْضِيحُ) قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا: أَيْ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ، أَيْ بِفَوْتِ الِاعْتِصَارِ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: فِي الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَرِضَ الْوَاهِبُ فَاعْتِصَارُهُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْوَارِثُ وَإِنْ مَرِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِهِ وَرَوَى أَشْهَبُ إنْ مَرِضَ الْأَبُ فَلَهُ الِاعْتِصَارُ دُونَ الْعَكْسِ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْت وَإِنَّمَا شَرَحْنَا قَوْلَ النَّاظِمِ أَوْ مَرِضَ بِمَرَضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَرَضُ الْوَاهِبِ مَانِعًا مِنْ الِاعْتِصَارِ أَيْضًا لِقِرَانِهِ بِالنِّكَاحِ وَالدَّيْنِ، وَلَا يَمْنَعَانِ إلَّا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَتَهُ نِحْلَةً فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ فَقَدْ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَعُودُ، بَنَى بِهَا أَمْ لَا وَكَذَلِكَ مَنْ نَكَحَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ أَوْ دَايَنَ ثُمَّ زَالَ الدَّيْنُ أَوْ زَالَتْ الْعِصْمَةُ، فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا نَقَلَهُ الْمَوَّاق ثُمَّ قَالَ أَصْبَغُ: إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ بِمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِنِكَاحِ الْوَلَدِ أَوْ بِدَيْنٍ، ثُمَّ زَالَ الْمَرَضُ وَالدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ فَلَا اعْتِصَارَ وَإِذَا زَالَتْ الْعُصْرَةُ يَوْمًا فَلَا تَعُودُ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ إذَا صَحَّ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى رَجَعَتْ الْعُصْرَةُ، كَمَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ فِي مَالِهِ فِيمَا كَانَ مَمْنُوعًا اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْعِلَّةُ إذَا زَالَتْ هَلْ يَزُولُ الْحُكْمُ بِزَوَالِهَا أَمْ لَا
وَمَا اعْتِصَارُ بَيْعُ شَيْءٍ قَدْ وُهِبْ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ بِهِ كَمَا يَجِبْ
لَكِنَّهُ يُعَدُّ مَهْمَا صَيَّرَا ذَاكَ لِمَوْهُوبٍ لَهُ مُعْتَصَرَا
وَقِيلَ بَلْ يَصِحُّ إنْ مَالٌ شُهِرْ لَهُ وَإِلَّا فَلِحَوْزٍ يَفْتَقِرْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِابْنِهِ أَوْ ابْنَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ بَاعَ الْهِبَةَ بِاسْمِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُشْهَدْ بِأَنَّ ذَلِكَ اعْتِصَارٌ، فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يُعَدُّ اعْتِصَارًا، بَلْ يُحْمَلُ أَنَّهُ رَأَى الْبَيْعَ أَوْلَى لِغِبْطَةٍ فِي الثَّمَنِ، أَوْ لِخَوْفِ فَسَادٍ يَلْحَقُ تِلْكَ الْهِبَةَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَيَكُونُ ثَمَنُ الْهِبَةِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْأَبِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِمُوجِبٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمَا اعْتِصَارٌ الْبَيْتَ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ بِهِ أَيْ بِالِاعْتِصَارِ أَنَّهُ إذَا أَشْهَدَ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ أَنَّهُ اعْتَصَرَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ اعْتِصَارٌ وَلَا إشْكَالَ فَقَوْلُهُ وَمَا اعْتِصَارٌ مَا نَافِيَةٌ وَاعْتِصَارٌ: مُبْتَدَأٌ سَوَّغَهُ تَقَدُّمُ النَّفْيِ وَبَيْعٌ: خَبَرُهُ وَجُمْلَةُ قَدْ وُهِبَ: بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ صِفَةٌ لِشَيْءٍ وَضَمِيرُ بِهِ لِلِاعْتِصَارِ.
(قَالَ ابْنُ عَاتٍ فِي طُرُرِهِ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الشُّورَى) مَنْ وَهَبَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ هِبَةً وَسَلَّطَ عَلَيْهَا شَرْطَ الِاعْتِصَارِ ثُمَّ بَاعَهَا
[ ٢ / ١٥٩ ]
بَعْدَ ذَلِكَ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَمَاتَ، فَإِنَّ الثَّمَنَ لِلِابْنِ فِي مَالِ الْأَبِ وَلَيْسَ بَيْعُهُ بِاسْمِ نَفْسِهِ عُصْرَةً مِنْهُ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ أَنَّ بَيْعَهُ ذَلِكَ اعْتِصَارٌ مِنْهُ لِلْهِبَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَغَيَّرَتْ عَنْ حَالِهَا قَالَ الشَّارِحُ أَقُولُ هَذَا الْقَوْلُ هَكَذَا نُقِلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَفِيهِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى كَبِيرٍ إشْكَالُ مَا مِنْ كَوْنِهِ لَا يُعَدُّ عُصْرَةً فَتَأَمَّلْهُ ا. هـ يَعْنِي أَنَّ كَوْنَ الْبَيْعِ عَلَى الصَّغِيرِ لَا يُعَدُّ عُصْرَةً ظَاهِرٌ لِكَوْنِ الْأَبِ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لَهُ فِي أُمُورِهِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَ نَفْسِهِ، فَالْبَيْعُ عَلَيْهِ اعْتِصَارٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ:
لَكِنَّهُ يُعَدُّ مَهْمَا مَهْمَا صَيَّرَا
الْبَيْتَيْنِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَاهِبِ فِي الْهِبَةِ بِالْبَيْعِ لَا يُعَدُّ اعْتِصَارًا اسْتَدْرَكَ هَذِهِ الصُّورَةَ، فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْوَاهِبِ فِيهَا اعْتِصَارٌ.
وَهِيَ إذَا وَهَبَ هِبَةً لِابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ ثُمَّ إنَّهُ صَيَّرَ تِلْكَ الْهِبَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي دَيْنٍ لِلِابْنِ أَوْ الِابْنَةِ عَلَى أَبِيهِ الْوَاهِبِ الْمَذْكُورِ فَتَصِيرُ تِلْكَ الْهِبَةُ مِلْكًا لِلْوَلَدِ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ وَلَا إشْكَالَ فِي كَوْنِ ذَلِكَ اعْتِصَارًا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَبِ قَضَى بِهَا دَيْنًا عَلَيْهِ لَازِمٌ لِكَوْنِهِ رَدَّهَا لِمِلْكِهِ وَحِينَئِذٍ دَفَعَهَا فِي دَيْنِهِ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَطْلَقَ فِي ذَلِكَ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْأَبِ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ كَمَا يَأْتِي وَلَا إشْكَالَ أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ الْهِبَةَ يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ فَلَا تَفْتَقِرُ لِحِيَازَةٍ؛ لِكَوْنِهَا مُعَاوَضَةً، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَكِنَّهُ يُعَدُّ الْبَيْتَ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَصَّلَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي صَيَّرَ فِيهِ الْهِبَةَ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةِ صِدْقٍ فَالْحُكْمُ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ، فَعَهْدُ التَّصْيِيرِ هِبَةٌ أُخْرَى مُسْتَأْنَفَةٌ، فَتَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَقِيلَ: بَلْ تَصِحُّ إنْ مَالٌ شُهِرْ
الْبَيْتَ، فَقَوْلُهُ: لَكِنَّهُ أَيْ الْأَبَ، وَذَاكَ أَيْ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ: يَتَعَلَّقُ بِ صَيَّرَا وَمُعْتَصِرًا: مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُعَدَّ وَفَاعِلُ يَصِحُّ لِلتَّصْيِيرِ وَضَمِيرُ لَهُ لِلْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
وَأَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي مَسْأَلَةٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَهَبَ لِابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ دَارًا أَوْ احْتَازَهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْهَدَ أَنَّهُ صَيَّرَهَا لَهَا فِي مِائَةِ مِثْقَالٍ تَأَلَّفَتْ عِنْدَهُ مِنْ غَزْلٍ غَزَلَتْهُ وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ التَّصْيِيرُ اعْتِصَارٌ لِلْهِبَةِ وَتَكُونُ الدَّارُ لِلْمَوْهُوبِ لَهَا بِالتَّصْيِيرِ أَيْ فِي الدَّيْنِ لَا بِالْهِبَةِ الْأُولَى وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ التَّصْيِيرَ لِلْهِبَةِ اعْتِصَارٌ، أَوْ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ نِسْبَةً صَحِيحَةً مِثْلَ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الِابْنَةَ كَانَتْ تَغْزِلُ الْغَزْلَ الْكَثِيرَ كَقَدْرِ الذَّهَبِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَجْتَمِعُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهَا وَرِثَتْ مِنْ أُمِّهَا مَالًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا وَإِلَّا فَيَكُونُ هَذَا التَّصْيِيرُ كَهِبَةٍ أُخْرَى إنْ ثَبَتَتْ فِيهَا الْحِيَازَةُ صَحَّتْ وَإِلَّا سَقَطَتْ اهـ. وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي افْتِقَارِ التَّصْيِيرِ لِلْحَوْزِ وَعَدَمِ افْتِقَارِهِ لَهُ