(فَصْلٌ فِي الْجُعْلِ) (ابْنُ عَرَفَةَ) الْجُعْلُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى
[ ٢ / ١٠٥ ]
عَمَلِ آدَمِيٍّ يَجِبُ عِوَضُهُ بِتَمَامِهِ لَا بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ فَقَوْلُهُ عَلَى عَمَلِ آدَمِيٍّ أَخْرَجَ بِهِ كِرَاءَ الرَّوَاحِلِ وَالسُّفُنِ وَكِرَاءَ الْأَرَضِينَ وَقَوْلُهُ يَجِبُ عِوَضُهُ بِتَمَامِهِ أَخْرَجَ بِهِ الْقِرَاضَ لِعَدَمِ وُجُوبِ عِوَضِهِ لِجَوَازِ تَجْرِهِ وَلَا رِبْحَ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ بِهِ الْمُسَاقَاةُ، وَالشَّرِكَةُ فِي الْحَرْثِ لِجَوَازِ عَدَمِ الْغَلَّةِ، وَعَدَمِ الزَّرْعِ، وَقَوْلُهُ لَا بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ أَخْرَجَ بِهِ الْإِجَارَةَ، وَالْمُسَاقَاةَ فَإِنَّهُ إنْ تُرِكَ لَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَفِي الْجُعْلِ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِالتَّمَامِ.
الْجُعْلُ عَقْدٌ جَائِزٌ لَا يَلْزَمُ لَكِنْ بِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ يُحْكَمُ
وَلَيْسَ يَسْتَحِقُّ مِمَّا يُجْعَلُ شَيْئًا سِوَى إذَا يَتِمُّ الْعَمَلُ
كَالْحَفْرِ لِلْبِئْرِ وَرَدِّ الْآبِقِ وَلَا يُحَدُّ بِزَمَانٍ لَاحِقِ
يَعْنِي أَنَّ الْجُعْلَ عَقْدٌ جَائِزٌ، أَيْ غَيْرُ لَازِمٍ، فَمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعَ عَنْهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَقَوْلُهُ: " لَا يَلْزَمُ " هُوَ تَفْسِيرٌ لِجَائِزٍ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَسْتَلْزِمُ مَصْلَحَةً مَعَ اللُّزُومِ بَلْ مَعَ الْجَوَازِ عَدَمُ اللُّزُومِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْجِعَالَةُ، وَالْقِرَاضُ، وَالْمُغَارَسَةُ، وَالْوِكَالَةُ، وَتَحْكِيمُ الْحَاكِمِ مَا لَمْ يَشْرَعَا فِي الْخُصُومَةِ فَإِنَّ الْجِعَالَةَ لَوْ شُرِعَتْ لَازِمَةً مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَطَّلِعُ عَلَى فَرْطِ بُعْدِ مَكَانِ الْآبِقِ أَوْ عَدَمِهِ مَعَ دُخُولِهِ عَلَى الْجِعَالَةِ بِمَكَانَةٍ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ فَجُعِلَتْ جَائِزَةً لِئَلَّا تَجْتَمِعَ الْجَهَالَةُ بِالْمَكَانِ وَاللُّزُومُ وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ، ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ اللُّزُومِ فِي بَقِيَّةِ الْعُقُودِ الْمَذْكُورَةِ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالْمِائَتَيْنِ وَقَسَّمَ هُنَالِكَ الْعُقُودَ إلَى قِسْمَيْنِ: مُسْتَلْزِمٌ لِمَصْلَحَةٍ عِنْدَ الْعَقْدِ فَشَرَعَهُ عَلَى اللُّزُومِ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ، وَتَرْتِيبًا لِلْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَهُوَ الْأَصْلُ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، وَغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ، فَشَرَعَهُ عَلَى الْجَوَازِ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ تَظْهَرُ أَمَارَةٌ فَلَا يُكَلَّفُ مَا يَضُرُّهُ، وَلَا يَجْرِي لَهُ. اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ - ﵀ -.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ الْمَنْجُورُ - ﵀ - فِي شَرْحِ قَوْلِهِ الْمَنْهَجُ كَذَا اللُّزُومُ فِي الْعُقُودِ أَصْلٌ إلَخْ، فَرَاجِعْ أَيَّهُمَا يَتَيَسَّرُ لَك، وَقَدْ قَسَّمَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ - ﵀ - تَابِعًا لِغَيْرِهِ الْعُقُودَ إلَى: مَا يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَمَا لَا يَلْزَمُ وَمَا فِيهِ خِلَافٌ وَنَظَمَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ فَقَالَ:
أَرْبَعَةٌ بِالْقَوْلِ عَقْدُهَا فِرَا بَيْعٌ نِكَاحٌ وَسِقَاءٌ وَكِرَا
لَا الْجُعْلُ، وَالْقِرَاضُ، وَالتَّوْكِيلُ وَالْحُكْمُ فَالْفِعْلُ بِهَا كَفِيلُ
لَكِنَّ فِي الْغِرَاسِ وَالْمُزَارَعَهْ وَالشَّرِكَاتِ بَيْنَهُمْ مُنَازَعَهْ
وَفِرَا آخِرَ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ: قَطْعٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللُّزُومُ، وَانْقِطَاعُ التَّشَوُّفِ لِلْحِلِّ وَمِنْهُ فَرَى الْأَوْدَاجَ أَيْ قَطَعَهَا. وَقَوْلُهُ:
لَكِنْ بِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ يُحْكَمُ
يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ لُزُومِهِ إنَّمَا هُوَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، أَمَّا بَعْدَهُ، فَيُحْكَمُ بِلُزُومِهِ وَلَكِنَّ لُزُومَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ إنَّمَا هُوَ لِلْجَاعِلِ، أَمَّا الْمَجْعُولُ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَوْ شَرَعَ فَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ فَإِذَا تَرَكَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْجُعْلِ قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلُ: " وَلَزِمَتْ الْجَاعِلَ بِالشُّرُوعِ ".
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ): " لِلْجَاعِلِ أَنْ يَفْسَخَ الْجِعَالَةَ إذَا لَمْ يَشْرَعْ الْمَجْعُولُ لَهُ فِي الْعَمَلِ، وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. " وَأَمَّا الْعَامِلُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَهُ أَنْ يَدَعَ الْجِعَالَةَ مَتَى شَاءَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَقَوْلُهُ:
وَلَيْسَ يَسْتَحِقُّ مِمَّا يُجْعَلُ شَيْئًا سِوَى إذَا يَتِمُّ الْعَمَلُ
يَعْنِي أَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْجُعْلِ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، فَإِنْ لَمْ يُتِمَّهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَيْسَ كَالْإِجَارَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَكَوْنُهُ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِالتَّمَامِ هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ مَا عَمِلَهُ لَا انْتِفَاعَ بِهِ لِلْجَاعِلِ أَمَّا مَا لَهُ بِهِ انْتِفَاعٌ فَلَهُ أُجْرَتُهُ عَلَيْهِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ): قَالَ مَالِكٌ: " وَالْجُعَلُ يَدَعُهُ الْعَامِلُ مَتَى شَاءَ وَلَا شَيْءَ
[ ٢ / ١٠٦ ]
لَهُ يُرِيدُ: إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ الْجَاعِلُ بِمَا عَمِلَ مِثْلَ: أَنْ يَحْمِلَ خَشَبَةً إلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَتَرَكَهَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَيَسْتَأْجِرُ رَبُّهَا مَنْ يَأْتِيه بِهَا، أَوْ يَعْجَزُ عَنْ حَفْرِ الْبِئْرِ بَعْدَ أَنْ ابْتَدَأَ فِيهَا، ثُمَّ جَاعَلَ صَاحِبُهُ آخَرَ، فَأَتَمَّهَا فَهَذَا يَكُونُ لِلثَّانِي جَمِيعُ إجَارَتِهِ الَّتِي عَاقَدَهُ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ لِلْأَوَّلِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ الْجَاعِلُ مِمَّا حَطَّ عَنْهُ مِنْ جُعْلِ الثَّانِي اُنْظُرْ الْمَوَّاقَ قَوْلُهُ:
كَالْحَفْرِ لِلْبِئْرِ وَرَدِّ الْآبِقِ
هُوَ تَمْثِيلٌ لِلْجُعْلِ وَقَوْلُهُ:
وَلَا يُحَدُّ بِزَمَانٍ لَاحِقٍ "
يَعْنِي كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: " وَلَا يُضْرَبُ فِي الْجُعْلِ أَجَلٌ فِي رَدِّ آبِقٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ " قَالَ مَالِكٌ: " الْجُعْلُ يَدْعُهُ الْعَامِلُ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَكُونُ مُؤَجَّلًا " اهـ.
وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الْمَجْعُولِ لَهُ لَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْدِيدِهِ بِزَمَنٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَا يُشْتَرَطُ فِي مُتَعَاقِدِي الْجُعْلِ إلَّا أَهْلِيَّةُ الِاسْتِئْجَارِ، وَالْعَمَلِ وَشَرْطُ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ، مَعْلُومًا، مُقَدَّرًا كَالْأُجْرَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْإِجَارَةِ أَوْ جُعْلًا. اهـ فَلِذَلِكَ لَوْ جَعَلَ رَبُّ الْآبِقِ نِصْفَ الْعَبْدِ لِمَنْ جَاءَ بِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ لَهُ إذَا جَاءَ بِهِ جُعْلُ مِثْلِهِ (الْمَوَّاقُ) وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ لِابْنِ رُشْدٍ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ: أَنْ لَا تَجُوزَ الْمُجَاعَلَةُ عَلَى لَقْطِ الزَّيْتُونِ بِالْجُزْءِ مِنْهُ لِأَنَّ أَوَّلَهُ أَهْوَنُ مِنْ آخِرِهِ، وَالْمُجَاعَلَةُ عَلَى اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِالْجُزْءِ مِمَّا
[ ٢ / ١٠٧ ]
يُقْتَضَى فَأَشْهَبُ لَا يُجِيزُهُ، وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّهُ جَائِزٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ فِي الْعَنَاءِ فِي اقْتِضَائِهِ، وَأَمَّا الْحَصَادُ، وَالْجِذَاذُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِ الْمُجَاعَلَةِ فِيهِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: جُذَّ مِنْ نَخْلِي مَا شِئْت، أَوْ: اُحْصُدْ مِنْ زَرْعِي مَا شِئْت عَلَى أَنَّ لَك مِنْ كُلِّ مَا تَحْصُدُ، أَوْ تَجُذُّ جُزْءًا اهـ.
(قَالَ الشَّارِحُ): " مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنْ ضَرَبَا أَجَلًا، فَهِيَ إجَارَةٌ، وَإِنْ عَلَّقَاهُ بِالْبُرْءِ أَوْ الْحِفْظِ لِلْقُرْآنِ، أَوْ لِبَعْضِهِ، فَهُوَ جُعْلٌ.
وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّارِحُ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْجَاعِلِ فِيمَا لَمْ يَتِمَّ مِنْهُ فَائِدَةٌ حَتَّى مَنَعُوا حَفْرَ الْبِئْرِ فِي الدَّارِ مُجَاعَلَةً لِئَلَّا يَتْرُكَ الْمَجْعُولُ لَهُ الْعَمَلَ، فَيَبْقَى الْبِئْرُ لِصَاحِبِ الدَّارِ مِرْحَاضًا وَالطَّبِيبُ قَدْ يَتْرُكُ فِي نِصْفِ الْبُرْءِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ يُشْرِفَ عَلَى الْبُرْءِ، فَيَكُونُ قَدْ انْتَفَعَ الْعَلِيلُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ ذَهَابِ عِلَّتِهِ، وَلَا يَدْفَعُ شَيْئًا، وَالصَّبِيُّ قَدْ يَحْفَظُ بَعْضَ الْقُرْآنِ، فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إنْ تَرَكَ الْمَجْعُولُ لَهُ الْعَمَلَ، فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا، وَيَنْتَفِعُ الْجَاعِلُ وَانْفَصَلَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْمَنْفَعَةِ لِلْجَاعِلِ خِلَافًا فَمَنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مَنَعَ مُشَارَطَتَهُمَا عَلَى وَجْهِ الْجُعْلِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَجَازَهَا هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.