(فَصْلٌ فِي الشَّرِكَةِ) اقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي ضَبْطِ لَفْظِهَا عَلَى أَنَّهُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَحَكَى غَيْرُهُ فَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ كَمَا لَفَظَ بِهِ النَّاظِمُ أَوَّلَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَالشَّرِكَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَعَمِّيَّةٌ وَأَخَصِّيَّةٌ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) الْأَعَمِّيَّةُ تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرُ مِلْكًا فَقَطْ وَالْأَخَصِّيَّةُ بَيْعُ مَالِكٍ كُلَّ بَعْضِهِ بِبَعْضِ كُلِّ الْآخَرِ مُوجِبٌ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ فَيَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ شَرِكَةُ الْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ لَا شَرِكَةُ التَّجْرِ وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَكْسِ وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَالْحَرْثِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي عِوَضِهِ فِي الْأُولَى يَتَبَايَنَانِ فِي الْحُكْمِ شَرِكَةُ الشَّرِيكِ بِالْأُولَى جَائِزَةٌ وَبِالثَّانِيَةِ مَمْنُوعَةٌ (قَالَ الرَّصَّاع) ذَكَرَ الشَّيْخُ - ﵀ - أَنَّ الشَّرِكَةَ تَصْدُقُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَبِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ وَحَدَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِمَا يَخُصُّهُ فَقَالَ فِي الْأَعَمِّيَّةِ تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ إلَخْ فَذَكَرَ جِنْسًا لِلشَّرِكَةِ وَهُوَ التَّقَرُّرُ وَهُوَ الثُّبُوتُ.
وَقَوْلُهُ مُتَمَوَّلٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِمُتَمَوِّلٍ كَثُبُوتِ النَّسَبِ بَيْنَ إخْوَةٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَوْلُهُ بَيْنَ مَالِكَيْنِ مَعْمُولٌ لِتَقَرُّرِ وَأَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْمَالِكَيْنِ وَقَوْلُهُ فَأَكْثَرُ أَدْخَلَ بِهِ مَا إذَا كَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَقَوْلُهُ مِلْكًا أَخْرَجَ بِهِ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ كَمَا إذَا كَانَا يَنْتَفِعَانِ مِنْ حَبْسِ الْمَدَارِسِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ إلَخْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ حَتَّى يُحْتَاجَ إلَى إخْرَاجِهِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَالِكَيْنِ يُخْرِجُهُ وَقَوْلُهُ فَقَطْ مَعْنَاهُ انْتَهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الشَّرِكَةِ الْأَخَصِّيَّةِ فَإِنَّ فِيهَا زِيَادَةَ التَّصَرُّفِ وَهَذِهِ لَا تَصَرُّفَ فِيهَا لِلشَّرِيكَيْنِ.
وَأَمَّا الْأَخَصِّيَّةُ فَقَالَ بَيْعُ مَالِكٍ جَعَلَ الْجِنْسَ بَيْعًا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ الْأَخَصِّيَّةَ مِنْ الْبَيْعِ وَإِنَّ فِيهَا مُعَاوَضَةً وَالْحَدُّ يَشْمَلُ الشَّرِكَةَ الصَّحِيحَةَ وَالْفَاسِدَةَ وَقَوْلُ مَالِكٍ كُلْ بَعْضَهُ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا بَاعَ الْكُلَّ بِالْكُلِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِكَةٍ وَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّرِكَةَ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَقَوْلُهُ بِبَعْضِ كُلّ الْآخَرِ، الْآخَرِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أَيْ الْبَعْضُ الْآخَرُ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا بَاعَ بَعْضًا بِكُلٍّ وَقَوْلُهُ مُوجِبٌ صِفَةٌ لِبَيْعٍ وَقَوْلُهُ صِحَّةُ
[ ٢ / ١٢٢ ]
تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ مَفْعُولٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَذَلِكَ خَاصٌّ بِشَرِكَةِ التَّجْرِ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ شَرِكَةَ غَيْرِ التَّجْرِ كَمَا إذَا خَلَطَا طَعَامًا لِلْأَكْلِ فِي الرُّفْقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ التَّصَرُّفَ الْمُطْلَقَ لِلْجَمِيعِ وَضَمِيرُ تَصَرُّفِهِمَا يَعُودُ عَلَى الْمَالِكَيْنِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَكِيلٌ لِصَاحِبِهِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ فَشَرِكَةُ الْإِرْثِ تَدْخُلُ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ كَمَا ذَكَرَ وَكَذَلِكَ الْغَنِيمَةُ وَأَمَّا شَرِكَةُ التَّجْرِ فَتَدْخُلُ فِي الثَّانِي لِصِدْقِ الْحَدِّ الثَّانِي عَلَيْهَا.
وَشَرِكَةُ الْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْحَدِّ الثَّانِي هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى الْعَكْسِ وَفِي عَدَمِ دُخُولِ شَرِكَةِ التَّجْرِ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا سَلِمَ أَنَّهُ أَعَمُّ فَيَصْدُقُ عَلَى مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْأَخَصُّ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَالْحَرْثِ فَبِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ يَدْخُلَانِ وَالْأَخَصِّيَّةُ وَفِي عِوَضِهِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَعَمِّيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ وَمَا شَابَهَهَا يَصْدُقُ فِيهَا بَيْعُ مَالِكٍ إلَخْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْ بَاعَ بَعْضَ مَنَافِعِهِ بِبَعْضِ مَنَافِعِ غَيْرِهِ مَعَ كَمَالِ التَّصَرُّفِ وَأَمَّا عِوَضُ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ تَحْتَ أَعَمِّهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَصَرُّفٌ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ يَتَبَايَنَانِ فِي الْحُكْمِ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَعَمِّيَّةَ وَالْأَخَصِّيَّةَ وَإِنْ صَدَقَ فِيهِمَا الْأَعَمُّ عَلَى أَخَصِّهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ فِيهِمَا شَرْعًا كَمَا ذَكَرَ
شَرِكَةٌ فِي مَالٍ أَوْ فِي عَمَلِ أَوْ فِيهِمَا تَجُوزُ لَا لِأَجَلِ
وَفَسْخُهَا إنْ وَقَعَتْ عَلَى الذِّمَمْ وَيَقْسِمَانِ الرِّبْحَ حُكْمٌ مُلْتَزَمْ
يَعْنِي أَنَّ الشَّرِكَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ إمَّا فِي الْمَالِ أَوْ فِي الْعَمَلِ أَوْ فِي الْمَالِ وَالْعَمَلِ مَعًا وَالثَّلَاثَةُ الْأَوْجُهِ جَائِزَةٌ وَلَا تُحَدُّ بِأَجَلٍ بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْحَلَّ عَنْ صَاحِبِهِ مَتَى شَاءَ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ مَمْنُوعٌ وَهِيَ شَرِكَةُ الذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلَا مَالٍ وَالْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَتْ وَكَانَ مَا اشْتَرَوْهُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ حَصَلَ فِيهِ رِبْحٌ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) الشَّرِكَةُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ شَرِكَةُ أَمْوَالٍ وَشَرِكَةُ أَبْدَانٍ وَشَرِكَةُ أَوْجُهٍ وَشَرِكَةُ الْأَمْوَالِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ شَرِكَةُ مُضَارَبَةٍ وَهِيَ الْقِرَاضُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالثَّانِيَةُ شَرِكَةُ مُفَاوَضَةٍ وَهِيَ أَنْ يَجُوزَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَشْتَرِكَانِ فِي جَمِيعِ مَا يَسْتَفِيدَانِ وَاتُّفِقَ عَلَى جَوَازِهَا. سُمِّيَتْ مُفَاوَضَةً لِتَفْوِيضِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَالَ لِصَاحِبِهِ وَقِيلَ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ وَالْمُشَاوَرَةُ كَأَنَّهُمَا يَتَشَاوَرَانِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمَا الثَّالِثَةُ شَرِكَةُ الْعَنَانِ.
وَفَسَّرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ بِأَنْ يَشْتَرِطَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا حَتَّى يُشَارِكَهُ فِيهَا الْآخَرُ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْعَمَلِ وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ وَفُسِّرَتْ بِأَنْ يَبِيعَ الْوَجِيهُ مَالَ الْخَامِلِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ وَقِيلَ هِيَ شَرِكَةُ الذِّمَمِ يَشْتَرِيَانِ وَيَبِيعَانِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ مَالٍ وَكِلْتَاهُمَا فَاسِدَةٌ وَتُفْسَخُ وَمَا اشْتَرَيَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَشْهَرِ اهـ.
وَكَذَا قَسَمَ الْمُتَيْطِيّ الشَّرِكَةَ إلَى شَرِكَةِ أَمْوَالٍ وَشَرِكَةِ أَبْدَانٍ وَشَرِكَةِ وُجُوهٍ وَهِيَ شَرِكَةُ الذِّمَمِ وَزَادَ النَّاظِمُ قِسْمًا رَابِعًا وَهِيَ الشَّرِكَةُ بِالْمَالِ وَالْعَمَلِ مَعًا فُتِيَا وَذَلِكَ كَأَنْ يَشْتَرِيَا جُلُودًا فَيُفَصِّلَانِهَا نِعَالًا وَيَخِيطَانِهَا وَيَبِيعَانِهَا مَخِيطَةً وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) فِي تَوْجِيهِ فَسَادِ شَرِكَةِ الْوُجُوهِ وَفَسَدَتْ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ وَالتَّدْلِيسِ عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الشِّرَاءِ مَنْ أَمْلِيَاءِ السُّوقِ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَّجِرُونَ فِي جَيِّدِ السِّلَعِ وَأَنَّ فُقَرَاءَهُمْ عَلَى الْعَكْسِ ثُمَّ قَالَ وَفَسَدَتْ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي لِأَنَّ مِنْ بَابِ: تَحَمَّلْ عَنَى وَأَتَحَمَّلُ عَنْك وَأَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُك فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ بِجُعْلٍ وَالسَّلَفِ بِزِيَادَةٍ اهـ.
وَيَعْنِي بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكَمَا تَفْسُدُ وَتُفْسَخُ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي إذَا اشْتَرَيَا بِلَا مَالٍ رَأْسًا كَذَلِكَ تَفْسُدُ وَتُفْسَخُ أَيْضًا إذَا كَانَتْ بِمَالٍ قَلِيلٍ (قَالَ الْمُتَيْطِيّ) بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ فِيهَا الْمَنْعَ وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَالٍ قَلِيلٍ عَلَى أَنْ يَتَدَايَنَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ تَحَمَّلْ عَنَى نِصْفَ مَا اشْتَرَيْت عَلَى أَنْ أَتَحَمَّلَ عَنْك نِصْفَ مَا اشْتَرَيْت (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَيْضًا) وَالشَّرِكَةُ لَا تَكُونُ إلَى أَجَلٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ
[ ٢ / ١٢٣ ]
مِنْهُمَا أَنْ يَنْحَلَّ عَنْ صَاحِبِهِ وَيُقَاسِمَهُ فِيمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمَا مِنْ نَاضٍّ وَعُرُوضٍ مَتَى شَاءَ اهـ.
فَقَوْلُهُ شَرِكَةُ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِهِ التَّقْسِيمُ وَتَجُوزُ خَبَرُهُ وَلَا لِأَجَلٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ تَجُوزُ لِغَيْرِ أَجَلٍ لَا لِأَجَلٍ وَفَسْخُهَا مُبْتَدَأٌ وَالضَّمِيرُ لِلشَّرِكَةِ وَخَبَرُهُ وَمُلْتَزَمٌ صِفَةُ حُكْمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَإِنْ يَكُنْ فِي الْعَيْنِ ذَاكَ اُعْتُمِدَا تَجُزْ إنْ الْجِنْسُ هُنَاكَ اتَّحَدَا
وَبِالطَّعَامِ جَازَ حَيْثُ اتَّفَقَا وَهُوَ لِمَالِكٍ بِذَاكَ مُتَّقِي
وَجَازَ بِالْعَرْضِ إذَا مَا قُوِّمَا مِنْ جِهَةٍ أَوْ جِهَتَيْنِ فَاعْلَمَا
كَذَا طَعَامُ جِهَةٍ لَا يَمْتَنِعْ وَعَيْنٌ أَوْ عَرْضٌ لَدَى الْأُخْرَى وُضِعْ
تَكَلَّمَ فِي الْأَبْيَاتِ عَلَى مَا تَجُوزُ بِهِ الشَّرِكَةُ أَوْ تَمْتَنِعُ فَأَخْبَرَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تَجُوزُ بِالْعَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَذَلِكَ كَأَنْ يُخْرِجَ هَذَا ذَهَبًا وَالْآخَرَ ذَهَبًا أَوْ هَذَا فِضَّةً وَهَذَا فِضَّةً وَفُهِمَ مِنْ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا ذَهَبًا وَالْآخَرُ فِضَّةً (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إجَازَتِهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ عَلَى كِلَا الْجَانِبَيْنِ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) كِلَا الْجَانِبَيْنِ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَهَبًا أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ وَرِقًا وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَالْآخَرُ وَرِقًا فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَتَمْتَنِعُ بِالدَّرَاهِمِ مَعَ الدَّنَانِيرِ عَلَى الْمَشْهُورِ
[ ٢ / ١٢٤ ]
وَعَلَّلَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ صَرْفٌ وَشَرِكَةٌ وَالصَّرْفُ لَا يَجُوزُ مَعَ الشَّرِكَةِ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ مَعَ الشَّرِكَةِ فَالصَّرْفُ أَوْلَى وَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَقَالَا إنَّمَا يُمْنَعُ الصَّرْفُ وَالشَّرِكَةُ إذَا كَانَ الصَّرْفُ خَارِجًا عَنْ الشَّرِكَةِ وَأَمَّا الدَّاخِلُ فِيهَا فَيَجُوزُ ثُمَّ قَالَ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَ هَذَا ذَهَبًا وَوَرِقًا وَالْآخَرَ مِثْلَهُ ذَهَبًا وَوَرِقًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ (ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَلِهَذَا رَجَّحَ جَمَاعَةٌ قَوْل سَحْنُونٍ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ جَارٍ فِي هَذِهِ وَهِيَ جَائِزَةٌ اهـ.
وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ هَذَا الْوَجْهِ اتِّفَاقُ عَوْدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِلَّا كَانَ صَرْفًا وَشَرِكَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْمُ تَكُنْ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ لِلشَّرِكَةِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ لِلِاشْتِرَاكِ وَلَعَلَّ هَذَا أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَتَى بِالْإِشَارَةِ بِصِيغَةِ الْمُذَكَّرِ، وَ" فِي " مِنْ قَوْلِهِ " فِي الْعَيْنِ " بِمَعْنَى الْبَاءِ أَنْشَدَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي
وَيَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوْعِ مِنَّا فَوَارِسُ يَصِيرُونَ فِي طَعْنِ الْأَبَاهِرِ وَالْكُلَى
أَيْ يَصِيرُونَ بِطَعْنِ الْأَبَاهِرِ جَمْعُ أَبْهَرَ وَهُوَ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ وَقِيلَ فِي مُسْتَبْطَنِ الْقَلْب إذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ وَالْكُلَى مَعْرُوفٌ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّاظِمُ - ﵀ - فِي الْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّ الشَّرِكَةَ تَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ مَالِكٍ بِالطَّعَامِ الْمُتَّفِقِ أَيْ فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) قَاسَ ابْنُ الْقَاسِمِ الطَّعَامَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ فِي الصِّفَةِ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْجَامِعُ حُصُولُ الْمُنَاجَزَةِ حُكْمًا لَا حِسًّا فَكَمَا اُغْتُفِرَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَكَذَلِكَ يُغْتَفَرُ فِي الطَّعَامَيْنِ وَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ أَوَّلُهَا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّ الطَّعَامَيْنِ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بَاعَ نِصْفَ طَعَامِهِ بِنِصْفِ طَعَامِ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ قَبْضٌ لِبَقَاءِ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى مَا بَاعَ فَإِذَا بَاعَا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ بَائِعًا لِلطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ اهـ.
مَفْهُومٌ قَوْلُهُ حَيْثُ اتَّفَقَا أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الطَّعَامَانِ لَمْ تَجُزْ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) وَأَمَّا الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَالْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الشَّرِكَةُ فِيهِمَا مَمْنُوعَةٌ فَفِيهَا وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مَحْمُولَةً وَالْآخَرُ سَمْرَاءَ أَوْ أَخْرَجَ هَذَا قَمْحًا وَالْآخَرُ شَعِيرًا وَقِيمَةُ ذَلِكَ مُتَّفِقَةٌ وَبَاعَ هَذَا نِصْفَ طَعَامِهِ بِنِصْفِ طَعَامِ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ عَلَى حَالٍ كَمَا لَا أُجِيزَ الشَّرِكَةَ بِدَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ اتَّفَقَتْ قِيمَتُهَا أَوْ اخْتَلَفَ وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ لِسَحْنُونٍ بِشَرْطِ أَنْ تَتَّفِقَ الْقِيمَةُ اللَّخْمِيّ يُرِيدُ وَالْكَيْلُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَةِ الطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ كَقَوْلِ سَحْنُونٍ اهـ.
وَفَاعِلُ جَازَ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي لِلِاشْتِرَاكِ وَبِالطَّعَامِ يَتَعَلَّقُ بِجَازٍ وَأَلِفُ اتَّفَقَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِطْلَاقِ أَوْ لِلتَّثْنِيَةِ وَضَمِيرُ هُوَ لِلِاشْتِرَاكِ وَالْإِشَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ بِذَاكَ تَعُودُ إلَى الطَّعَامِ الْمُتَّفِقِ ثُمَّ أَخْبَرَ فِي الْبَيْتِ الثَّالِثِ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ جَائِزٌ بِالْعَرْضِ مِنْ جِهَةٍ يَعْنِي وَيُقَابِلُهُ مَنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى عَيْنٌ أَوْ طَعَامٌ وَيَجُوزُ أَيْضًا بِالْعَرْضِ مَنْ جِهَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ إذَا قُوِّمَ الْعَرْضُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَقَوْلُهُ مِنْ جِهَةٍ صِفَةٌ لِلْعَرْضِ أَوْ جِهَتَيْنِ عَطْفٌ عَلَى جِهَةٍ (قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) وَتَجُوزُ الْعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا وَرَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا قُوِّمَ بِهِ عَرْضُهُ (التَّوْضِيحُ) تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا وَسَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَا بِعَرْضَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ طَعَامٍ وَعَرْضٍ عَلَى قِيمَةِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ اهـ.
ثُمَّ أَخْبَرَ فِي الْبَيْتِ الرَّابِعِ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَجُوزُ بِالطَّعَامِ مِنْ جِهَةٍ وَبِالْعَيْنِ أَوْ الْعَرْضِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَتَصِحُّ بِالْعَرْضِ مِنْ جَانِبٍ وَالنَّقْدِ مِنْ جَانِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ (التَّوْضِيحُ) الْمَشْهُورُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ أَقِف عَلَى الشَّاذِّ وَلَعَلَّهُ مُنِعَ لِاجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْمَشْهُورِ هُنَا وَمُنِعَ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ وَالْعَرْضِ إلَّا مَانِعٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالشَّرِكَةُ وَهُوَ مُغْتَفَرٌ فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ مَعَ الدَّنَانِيرِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ عِلَّتَيْنِ الْبَيْعُ وَالشَّرِكَةُ وَالصَّرْفُ مِنْ غَيْرِ مُنَاجَزَةٍ اهـ.
وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُقَرَّبِ مَا نَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِنْطَةً وَيُخْرِجَ صَاحِبُهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ سَوَاءً وَيَكُونُ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا
[ ٢ / ١٢٥ ]
بِالسَّوَاءِ وَالرِّبْحُ وَالْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الثُّلُثَيْنِ وَكَانَتْ الْحِنْطَةُ الثُّلُثُ فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ ثُلُثَيْ الْعَمَلِ وَعَلَى صَاحِبِ الْحِنْطَةِ ثُلُثَ الْعَمَلِ وَالرِّبْحِ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا أَيْضًا وَكَذَلِكَ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ وَأَخْرَجَ صَاحِبُهُ عُرُوضًا قِيمَتُهَا سَوَاءٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ فَهُوَ عَلَى مَا وَصَفْت لَك إذَا اشْتَرَكَا بِالْعَيْنِ وَالْحِنْطَةِ اهـ.
وَالْمَالُ خِلْطَةٌ وَوَضْعُهُ بِيَدِ وَاحِدٍ أَوْ فِي الِاشْتِرَاكِ مُعْتَمَد
يَعْنِي أَنَّ الْمَالَ الَّذِي أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يُطْلَبُ خَلْطُهُ ثُمَّ يُوضَعُ كُلُّهُ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ بِأَيْدِيهِمَا مَعًا وَهُوَ الَّذِي عَنَى بِقَوْلِهِ أَوْ فِي الِاشْتِرَاكِ مُعْتَمَدٌ وَلَا يَبْقَى مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ بِيَدِ صَاحِبِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَلْطُ حِسًّا كَخَلْطِ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ حَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ أَوْ حُكْمًا وَهُوَ كَوْنُ الْمَالِ فِي حَوْزِ وَاحِدٍ (ابْنُ عَرَفَةَ) الْخَلْطُ الْحُكْمِيُّ كَوْنُ الْمَالِ فِي حَوْزِ وَاحِدٍ وَلَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) إنْ اشْتَرَكَا بِمَالَيْنِ سَوَاءٌ فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ ذَهَبَهُ فَصَرَّهُ عَلَى حِدَةٍ وَجَعَلَا الصُّرَّتَيْنِ بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي تَابُوتِهِ أَوْ خُرْجِهِ فَضَاعَتْ وَاحِدَةٌ فَالذَّاهِبَةُ بَيْنَهُمَا (الْمُدَوَّنَةُ) .
وَإِنْ بَقِيَتْ صُرَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِيَدِهِ فَضَيَاعُهَا مِنْهُ حَتَّى يُخْلَطَ أَوْ يَجْعَلَا الصُّرَّتَيْنِ عِنْدَ أَحَدِهِمَا اهـ وَعَطْفُ النَّاظِمِ الْوَضْعَ عَلَى الْخَلْطِ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْطِ هُوَ الْحِسِّيِّ بَيَانٌ لِمَحَلِّ وَضْعِ الْمَالَيْنِ بَعْدَ حُصُولِ خَلْطِهِمَا وَبِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لَهُ، وَقَوْلُ النَّاظِمِ إنَّ الْخَلْطَ مُعْتَمَدٌ أَيْ فِي الشَّرِكَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا قَالَ الشَّارِحُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا فَتَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ وَلَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْخَلْطُ كَالْبَيْعِ مِنْ السَّفِيه قَبْلَ إجَازَةِ وَلِيِّهِ فِي كَوْنِهِ مُنْعَقِدًا غَيْرَ لَازِمٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرِكَةَ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ أَوْ شَرْطٍ فِي انْعِقَادِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا بُدَّ مِنْ خَلْطِ الْمَالِ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ يَشْتَرِيَا بِهِمَا (ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بُدَّ مِنْ خَلْطِ الْمَالَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ كَوْنِهِمَا فِي حُكْمِ الْمَخْلُوطَيْنِ بِأَنْ يَكُونَا تَحْتَ أَيْدِيهِمَا كَجَعْلِهِمَا مَجْمُوعَ الْمَالَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَيَجْعَلَا عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ بِيَدِ أَحَدِهِمَا مِفْتَاحُ أَحَدِهِمَا وَبِيَدِ الْآخَرِ مِفْتَاحُ الْآخَرِ وَيَكُون الْمَالَانِ تَحْت يَد أَحَدهمَا بِرِضَا الْآخَر مِنْ غَيْرِ
[ ٢ / ١٢٦ ]
شَرْطٍ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَيَشْتَرِيَا بِمَجْمُوعِ الْمَالَيْنِ سِلَعًا أَوْ سِلْعَةٍ، وَلِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا شَرِكَةٌ حَتَّى يُخْلَطَا اهـ.
فَأَوَّلُ هَذَا النَّقْلِ يُسْتَرْوَحُ مِنْهُ أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطُ صِحَّةٍ وَآخِرُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِهَا وَأَمَّا كَوْنُهُ شَرْطًا فِي اللُّزُومِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْفِعْلِ وَهُوَ هُنَا الْخَلْطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَقَوْلُ النَّاظِمِ خَلْطٌ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ خَبَرُهُ مُعْتَمَدٌ وَالْمَبْدَأُ الثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ الْمَالِ وَالرَّابِطُ ضَمِيرُ خَلْطِهِ
وَحَيْثُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْعَمَلْ فَشَرْطُهُ اتِّحَادُ شُغْلٍ وَمَحَلْ
يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ شَرِكَةِ الْعَمَلِ أَنْ تَتَحَدَّ الصَّنْعَةُ وَهُوَ مُرَادُهُ بِالشَّغْلِ وَأَنْ يَتَّحِدَ مَحَلُّ الشَّرِيكَيْنِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَشَرْطُ شَرِكَةِ الْعَمَلِ الِاتِّحَادُ فِيهِ وَفِي الْمَكَانِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) لِجَوَازِهَا شُرُوطٌ.
(أَوَّلُهَا) أَنْ يَتَّحِدَ الْعَمَلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ مُخْتَلِفًا الصَّنْعَةَ كَصَبَّاغٍ وَنَجَّارٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ إذْ قَدْ تَنْفُقُ صَنْعَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَيَأْخُذُ مَنْ لَمْ تَنْفَقْ صَنْعَتُهُ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّكِيُّ) وَلَوْ كَانَ الْمُعَلِّمَانِ أَحَدُهُمَا قَارِئٌ وَالْآخَرُ حَاسِبٌ وَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَقْتَسِمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى جَمْعِ الرَّجُلَيْنِ سِلْعَتَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ مُخْتَلَفَيْ الصَّنْعَةِ إذَا كَانَتْ الصَّنْعَتَانِ مُتَلَازِمَتَيْنِ وَنَصَّ اللَّخْمِيّ عَلَى الْجَوَازِ فِيمَا إذَا تَشَارَكَا وَأَحَدُهُمَا يَحِيكُ وَالْآخَرُ يَخْدُمُ وَيَتَوَلَّى مَا سِوَى النَّسْجِ إذَا تَقَارَبَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ قَالَ وَلَيْسَ كَالسِّلْعَتَيْنِ وَالْمُخْتَلِفَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا هُنَا إمَّا أَنْ يَعْمَلَا جَمِيعًا أَوْ يَتَعَطَّلَا جَمِيعًا فَلَمْ يَكُنْ هَذَا غَرَرًا وَعَلَى مِثْلِ هَذَا أُجِيزَتْ الشَّرِكَةُ فِي طَلَبِ اللُّؤْلُؤِ أَحَدُهُمَا يَتَكَلَّفُ الْغَوْصَ وَالْآخَرُ يَقْذِفُ أَوْ يُمْسِكُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ سَوَاءً.
(ثَانِيهِمَا) أَنْ يَتَّحِدَ الْمَكَانُ وَالْعِلَّةُ فِيهِ كَالْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَنْفُذَ أَحَدُ الْمَكَانَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَأَجَازَ فِي الْعُتْبِيَّةِ كَوْنَهُمَا فِي مَكَانَيْنِ إذَا اتَّحَدَتْ الصَّنْعَةُ.
(ثَالِثُهَا) أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الصَّنْعَةِ أَوْ يَتَقَارَبَا وَإِلَّا فَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ إلَّا عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْمَلُ قَدْرَ الْآخَرِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثِ (رَابِعُهَا) أَنْ يَكُونَ فِي اشْتِرَاكِهِمَا تَعَاوُنٌ فَإِنْ اشْتَرَكُوا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ فَهُوَ مَنْ الْغَرَرِ الْبَيِّنِ (خَامِسُهَا) أَنْ تَكُونَ قِسْمَتُهَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا انْتَهَى بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّاظِمُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ إلَّا اتِّحَادَ الصَّنْعَةِ وَالْمَحَلِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ حَمَّالَيْنِ اشْتَرَكَا فِي أُجْرَةِ مَا يَحْمِلَانِهِ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا يَحْمِلُ لِفُلَانٍ شَيْئًا فَحَمَلَ لَهُ صَاحِبُهُ وَحَمَلَ هُوَ لِغَيْرِهِ وَاقْتَسَمَا الْأُجْرَةَ (فَأَجَابَ) الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّكِيِّ أَنَّ اشْتِرَاكَ قَارِئٍ وَحَاسِبٍ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي الصَّنْعَتَيْنِ الْمُتَلَازِمَتَيْنِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لَهُ إذَا عَنَى اشْتِرَاكَ فَقِيهٍ وَفَرْضِيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ مُقَيِّدٌ هَذَا الشَّرْحُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَأَعَانَهُ عَلَى تَمَامِهِ وَتَلْخِيصِهِ) وَجَدْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي الطُّرَّةِ مَا نَصُّهُ وَجَدْت بِخَطِّ الْإِمَامِ الْقَوِيِّ مَنْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّكِيُّ؟ اهـ ثُمَّ وَجَدْت لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّكِيُّ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ فَرَجٍ الْمُشَاوِرُ عُرِفَ بِالذَّكِيِّ؛ صَقَلِّيُّ الْأَصْلِ وَسَكَنَ قَلْعَةَ بَنِي حَمَّادٍ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَشْرِقِ فَدَخَلَ الْعِرَاقَ وَسَكَنَ أَصْبَهَانَ إلَى أَنْ مَاتَ بِهَا وَعَدُّوهُ فِيهِمْ وَكَانَ فَقِيهًا مُتَقَدِّمًا فِي عِلْمِ الْمَذْهَبِ وَاللِّسَانِ مُفْتِيًا فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ حَافِظًا مُدْرِكًا نَبِيلًا وَسَائِرِ الْمَعَارِفِ
[ ٢ / ١٢٧ ]
أَخَذَ عَنْ شُيُوخِ بَلَدِهِ وَصَحِبَ السُّيُورِيَّ وَغَيْرَهُ وَكَانَ الْبِيرِيُّ يَقُولُ هُوَ أَحْفَظُ مَنْ لَقِيتُ قِيلَ لَهُ تَقُولُ هَذَا وَقَدْ لَقِيتَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبَا عِمْرَانَ الْفَاسِيَّ فَقَالَ هُوَ أَحْفَظُ مَنْ رَأَيْت اهـ.
وَحَاضِرٌ يَأْخُذُ فَائِدًا عَرَضْ فِي غَيْبَةٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ أَوْ مَرَضْ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا غَابَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي شَرِكَةِ الْعَمَلِ أَوْ مَرِضَ فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ أَوْ مَرَضُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَ فَإِنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اخْتَصَّ بِهِ عَامِلُهُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) إذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أَوْ غَابَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَمِلَ صَاحِبُهُ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ فَإِنَّ الْعَامِلَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَا عَمِلَ جَازَ إذَا لَمْ يَعْقِدَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمَا أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَمَا عَمَلُ الْآخَرِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ عَقَدَا عَلَى هَذَا لَمْ تَجُزْ الشَّرِكَةُ فَإِنْ يَزُلْ كَانَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَنْ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا وَمَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَهُ خَاصَّةً ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ اهـ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا شَرِيكُ الْمَالِ إذَا غَابَ فَلِشَرِيكِهِ الْحَاضِرِ نِصْفُ أَجْرِهِ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي غَابَ لِأَنَّ الرِّبْحَ إنَّمَا جَرَّهُ الْمَالُ
وَمَنْ لَهُ تَحَرُّفٌ إنْ عَمِلَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ تَجْرِهِ الْفَائِدُ لَهْ
يَعْنِي أَنَّ أَحَد الشَّرِيكَيْنِ إذَا كَانَتْ لَهُ حِرْفَةٌ وَصَنْعَةٌ فَعَمِلَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ التِّجَارَةِ فَإِنَّ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْ ذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ دُونَ شَرِيكِهِ فَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَصْنَعَ لِنَفْسِهِ صَنْعَةً أُخْرَى فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا يَعْمَلُ فِيهَا شَيْئًا فَأَجَابَ بِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا يَشْتَغِلُ فِيهَا بِالتِّجَارَةِ وَلَا كَلَامَ لِشَرِيكِهِ فِي ذَلِكَ اهـ