َ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: وَمَا يُلْحَقُ بِذَلِكَ، أَيْ بِرَفْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُكْمُ مَنْ عَصَى الْأَمْرَ وَلَمْ يَحْضُرْ، وَهُوَ الطَّبْعُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَكُونُ أُجْرَةُ الْعَوْنِ.
وَمَعْ مَخِيلَةٍ بِصِدْقِ الطَّالِبِ يُرْفَعُ بِالْإِرْسَالِ غَيْرُ الْغَائِبِ
وَمَنْ عَلَى يَسِيرِ الْأَمْيَالِ يَحُلْ فَالْكَتْبُ كَافٍ فِيهِ مَعَ أَمْنِ السُّبُلْ
وَمَعْ بُعْدٍ أَوْ مَخَافَةٍ كُتِبَ لِأَمْثَلِ الْقَوْمِ أَنْ افْعَلْ مَا يَجِبْ
إمَّا بِإِصْلَاحٍ أَوْ الْإِغْرَامِ أَوْ أَزْعَجَ الْمَطْلُوبَ لِلْخِصَامِ
وَمَنْ عَصَى الْأَمْرَ وَلَمْ يَحْضُرْ طُبِعْ عَلَيْهِ مَا يُهِمُّهُ كَيْ يَرْتَفِعَ
اعْلَمْ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ إحْدَى حَالَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَحْضُرَا مَعًا عِنْدَ الْقَاضِي مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ فِيهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَحْضُرَ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الطَّالِبُ - وَلَا يَحْضُرُ الْمَطْلُوبُ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَ الْقَاضِي لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا مَعَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنْهُ بِمَوْضِعٍ هُوَ تَحْتَ إيَالَةِ الْقَاضِي الْمُتَدَاعَى إلَيْهِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَكَلَّمَ النَّاظِمُ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ
[ ١ / ٢٣ ]
حَاضِرًا مَعَهُ فِي مِصْرِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُوَجِّهُ إلَيْهِ أَحَدَ خُدَّامِهِ يَرْفَعُهُ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الْمِصْرِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى يَسِيرِ الْأَمْيَالِ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ مِنْ الْحَاضِرَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ عِوَضًا مِنْ دَفْعِ الْخَاتَمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا.
وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا إمَّا بُعْدًا حِسِّيًّا مِنْ جِهَةِ الْمَسَافَةِ، وَإِمَّا بُعْدًا مَعْنَوِيًّا مِنْ جِهَةِ الْخَوْفِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ لِأَمْثَلِ مَنْ بِمَوْضِعِ حُلُولِ الْمَطْلُوبِ بِالْأَمْرِ بِفِعْلِ مَا يَجِبُ مِنْ النَّظَرِ الْمُؤَدِّي لِلتَّنَافِي بَيْنَهُمَا إمَّا بِالصُّلْحِ أَوْ بِالْغُرْمِ، أَوْ بِالْعَزْمِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فِي الْوُصُولِ لِمَحَلِّ الْحُكْمِ. وَرَفْعُ الْمَطْلُوبِ مِنْ مَوْضِعِهِ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ فِي الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ مُقَيَّدٌ بِظُهُورِ مَخَايِلِ صِدْقِ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (وَمَعْ مَخِيلَةٍ بِصِدْقِ الطَّالِبِ) وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا قَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَدْفَعُ طَابِعَهُ وَلَا يَرْفَعُ الْمَطْلُوبَ حَتَّى يَأْتِيَهُ الطَّالِبُ بِشُبْهَةٍ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُدَّعِيًا بَاطِلًا يُرِيدُ تَعَنُّتَ الْمَطْلُوبِ. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ أَنَّهُ يُرْفَعُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ الطَّالِبُ بِشُبْهَةٍ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ وَلَمْ يَعْتَمِدْهُ النَّاظِمُ، هَذَا حَاصِلُ الْأَبْيَاتِ مَا عَدَا الْأَخِيرَ مِنْهَا، وَالْمَخِيلَةُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وَمَخَايِلُ الصِّدْقِ دَلَائِلُهُ، وَغَيْرُ الْغَائِبِ هُوَ الْحَاضِرُ مَعَ الطَّالِبِ فِي بَلَدِهِ وَإِذَا كَانَ قَرِيبًا وَكَتَبَ إلَيْهِ لِيَحْضُرَ وَلَمْ يَحْضُرْ - وَالطَّرِيقُ مَأْمُونَةٌ - فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ كَالْحَاضِرِ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي بَلَدٍ لَيْسَتْ تَحْتَ عِمَالَةِ الْقَاضِي الَّذِي حَضَرَ الطَّالِبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ كَانَ حُلُولُهُ بِهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي فَصْلِ الْبَيْعِ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ بَابِ الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ حُلُولُهُ بِهَا أَصَالَةً؛ لِكَوْنِهَا بَلَدَهُ وَمَوْضِعَ سُكْنَاهُ وَوَطَنًا لَهُ فَفِي مَوْضِعِ تَعْيِينِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا تَفْصِيلٌ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (وَالْحُكْمُ فِي الْمَشْهُورِ) إلَى آخِرِ الْبَيْتَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَصَى الْأَمْرَ) الْبَيْتَ فَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ دَعَاهُ الْقَاضِي لِحُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ مَعَ خَصْمِهِ فَتَغَيَّبَ، وَلَمْ يَأْتِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَطْبَعُ عَلَيْهِ مَا يُهِمُّهُ طَبْعُهُ مِمَّا لَا صَبْرَ لَهُ عَنْهُ كَدَارِهِ وَحَانُوتِهِ لِيَرْتَفِعَ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ، وَصِفَةُ الطَّبْعِ أَنْ يُلْصِقَ شَمْعًا أَوْ عَجِينًا بِالْبَابِ وَبِمَا يَلِيهَا وَيَتَّصِلُ بِهَا حَالَ سَدِّهَا، وَيَطْبَعُ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ عَلَيْهِ نَقْشٌ أَوْ كِتَابَةٌ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي ذَلِكَ الشَّمْعِ أَوْ الْعَجِينِ، فَإِذَا فَتَحَ الْبَابَ وَرَدَّ ذَلِكَ الشَّمْعَ أَوْ الْعَجِينَ لِمَحَلِّهِ أَوْ لَا تَغَيَّرَ نَقْشُهُ، وَعَلِمَ أَنَّ الْبَابَ قَدْ فُتِحَ فَيُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَهُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ، وَهَذَا الطَّبْعُ أَوْلَى مِنْ التَّسْمِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَعِيبُ الْبَابَ أَوْ يُفْسِدُهُ.
(قَالَ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ) وَإِنْ تَغَيَّبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَبَعَ الْقَاضِي عَلَى دَارِهِ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ التَّسْمِيرِ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْبَابَ فَإِنْ لَمْ يُفْسِدْهُ سَمَّرَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا مَا فِيهَا مِنْ الْحَيَوَانِ وَبَنِي آدَمَ اهـ.
وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الطَّبْعِ بِالْخَتْمِ (قَالَ فِي الطُّرَرِ) عَنْ الشَّعْبَانِيِّ مَنْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ دَعْوًى، وَدَعَاهُ لِلْقَاضِي فَإِنْ امْتَنَعَ خَتَمَ لَهُ خَاتَمًا مِنْ طِينٍ اهـ.
وَفِي عُرْفِنَا الْيَوْمَ الطَّبْعُ وَالْخَتْمُ هُوَ التَّسْمِيرُ، وَهُوَ أَنْ يُسَمِّرَ طَرَفَ جِلْدٍ بِالْبَابِ وَطَرَفَهُ الْآخَرَ بِمَا يَلِيهَا، فَإِذَا فَتَحَ الْبَابَ ظَهَرَ ذَلِكَ غَالِبًا فَعُوقِبَ
[ ١ / ٢٤ ]
فَاعِلُهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَعِيبُ الْبَابَ أَوْ يُفْسِدُهُ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ الْآمِرُ فَضْلًا عَنْ الْمَأْمُورِ تَهَاوُنًا وَاسْتِخْفَافًا
وَأُجْرَةُ الْعَوْنِ عَلَى طَالِبِ حَقٍّ وَمَنْ سِوَاهُ إنْ أَلَدَّ تُسْتَحَقُّ
الْعَوْنُ وَاحِدُ الْأَعْوَانِ وَهُمْ وَزَعَةُ الْقَاضِي، أَيْ خُدَّامُهُ الَّذِينَ يُنَفِّذُونَ أَحْكَامَهُ وَيَدْفَعُونَ الْخُصُومَ عَنْهُ وَيَرْفَعُونَهُمْ إلَيْهِ (قَالَ الشَّارِحُ) وَلَوْ أَمْكَنَهُ إنْفَاذُ الْأَحْكَامِ دُونَهُمْ لَكَانَ أَوْلَى، وَلَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْهُمْ، وَالْأَصْلُ فِي مِثْلِ أَرْزَاقِ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَالْوَاجِبِ فِي
[ ١ / ٢٥ ]
رِزْقِ الْحَاكِمِ الَّذِي يَصْرِفُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ لَازِمَةً لَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَمَنْ قَامَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَرِزْقُهُ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ.
وَلَمَّا تَعَذَّرَ إجْرَاءُ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعِهِ نَظَرَ الْفُقَهَاءُ بِمَا يُوجِبُهُ الِاجْتِهَادُ عَلَى مَنْ تَكُونُ أُجْرَةُ هَذَا الصِّنْفِ؟ فَاقْتَضَى النَّظَرُ أَنَّهُ عَلَى مَنْ يَحْتَاجُ إلَى إحْضَارِ خَصْمِهِ وَإِمْسَاكِهِ، وَبَعَثَهُ إلَى مَوْضِعِ انْتِصَافِهِ مِنْهُ بِقَضَاءِ مَالِهِ عَلَيْهِ أَوْ إعْطَاءِ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ أَوْ اقْتِضَاءِ يَمِينٍ أَوْ حَبْسِ هَذَا إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمَطْلُوبِ مَطْلٌ وَلَا لَجَاجٌ، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَلْزَمَهُ الْفُقَهَاءُ أُجْرَةَ هَذَا الْعَوْنِ؛ لِكَوْنِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ظَالِمًا، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وَعَلَى كَوْنِ أُجْرَةِ الْعَوْنِ عَلَى الطَّالِبِ إلَّا إذَا تُبُيِّنَ مَطْلٌ وَلَدَدٌ مِنْ الْمَطْلُوبِ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ عَلَيْهِ نَبَّهَ النَّاظِمُ بِهَذَا الْبَيْتِ
وَاللَّدَدُ شِدَّةُ الْخُصُومَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ لَدَّهُ خَصْمُهُ فَهُوَ لَادٌّ وَلَدُودٌ ا. هـ. وَالنَّاظِمُ اسْتَعْمَلَهُ رُبَاعِيًّا مِنْ الْإِلْدَادِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي شَرْحِ غَرِيبِ الْمُدَوَّنَةِ الْإِلْدَادُ الْمَطْلُ يُقَالُ مِنْهُ أَلَدَّ فُلَانٌ بِحَقِّ فُلَانٍ يُلِدُّ إلْدَادًا عَلَى وَزْنِ أَنْشَدَ يُنْشِدُ إنْشَادًا، وَأَلَدَّ عَلَى وَزْنِ أَلْدَدَ وَيُلِدُّ عَلَى وَزْنِ يُلْدِدُ وَلَمَّا تَحَرَّكَتْ الدَّالَانِ - وَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ - أَدْغَمُوا إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى قَالَ بَعْضُ مَنْ شَرَحَ هَذَا النَّظْمَ: وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي شَرْحِ غَرِيبِ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ شَرَحَ غَرِيبَ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ بِالصِّحَاحِ كُلُّ لَفْظَةٍ فِي مَحَلِّهَا حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ صَنِيعُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ أَلْفَاظَ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ اللَّفْظُ اللُّغَوِيُّ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ لَا فَظَاهِرٌ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْجَوْهَرِيَّ أَلَّفَ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا فِي شَرْحِ غَرِيبِ الْمُدَوَّنَةِ بِالْخُصُوصِ، فَهَذَا أَغْرَبُ مِنْ غَرِيبٍ إذْ لَمْ نَرَ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ شُرُوحِ الْمُدَوَّنَةِ أَوْ حَوَاشِيهَا مَنْ نُقِلَ عَنْهُ وَلَا ذَكَرَهُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.