ِ
وَفِي الرَّوَاحِلِ الْكِرَاءُ وَالسُّفُنْ عَلَى الضَّمَانِ أَوْ بِتَعْيِينٍ حَسَنْ
وَيُمْنَعُ التَّأْجِيلُ فِي الْمَضْمُونِ وَمُطْلَقًا جَازَ بِذِي التَّعْيِينِ
الرَّوَاحِلُ جَمْعُ رَاحِلَةٍ قَالَ فِي الْأَلْفِيَّةِ: فَوَاعِلُ لِفَوْعَلٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَفَاعِلَةٌ وَهِيَ النَّاقَةُ النَّجِيبَةُ الْكَامِلَةُ الْخَلْقِ الْحَسَنَةُ الْمَنْظَرِ الْمُدَرَّبَةُ عَلَى الرُّكُوبِ، وَالسَّيْرِ، وَالْحَمْلِ بِهَذَا فُسِّرَ فِي الْمَشَارِقِ وَقَوْلُهُ - ﵊ -: «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» (عِيَاضٌ) الرَّاحِلَةُ هِيَ: النَّاقَةُ الْمُعَدَّةُ لِلرُّكُوبِ، الْمُذَلَّلَةُ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي ذُكُورِ الْإِبِلِ، وَإِنَاثِهَا، وَأَصْلُهَا مِنْ الرَّحْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهَا اهـ. وَالْمُرَادُ هُنَا الدَّابَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مِنْ فَرَسٍ، وَبَغْلٍ، وَحِمَارٍ، وَجَمَلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالسُّفُنُ جَمْعُ سَفِينَةٍ قَالَ فِي: الْأَلْفِيَّةِ
وَفُعُلٌ لِاسْمٍ رُبَاعِيٍّ بِمَدِّ
إلَخْ وَقَدْ اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ.
(الْأُولَى): فِي تَقْسِيمِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالسُّفُنِ إلَى مُعَيَّنٍ، وَمَضْمُونٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَفِي الرَّوَاحِلِ " (الْبَيْتَ) يَعْنِي أَنَّ كِرَاءَ الدَّوَابِّ وَالسُّفُنِ عَلَى وَجْهَيْنِ يَكُونُ عَلَى الضَّمَانِ وَعَلَى التَّعْيِينِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: فَالْمُتَكَارَيَانِ كَالْمُتَبَايِعِينَ فِيمَا يَحِلُّ، وَيَحْرُمُ لِأَنَّ الْكِرَاءَ بَيْعُ مَنَافِعَ فَهُوَ كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكِرَاءُ الدَّوَابِّ عَلَى
[ ٢ / ٩٧ ]
وَجْهَيْنِ مَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا وَقَدْ قَضَى عُمَرُ - ﵁ - أَنَّ الدَّابَّةَ الْمُعَيَّنَةَ إذَا هَلَكَتْ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ وَلَا يَأْتِي بِغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْبَلَاغُ، وَهُوَ الْمَضْمُونُ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ ابْنُ يُونُسَ: كِرَاءُ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ كَشِرَاءِ السِّلَعِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُوَفِّيَهُ كَيْلَهُ أَوْ وَزْنَهُ كَمَا عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ يُوَفِّيَهُ رُكُوبَهُ أَوْ حَمْلَهُ، وَكِرَاءُ الْمَضْمُونِ كَشِرَاءِ السِّلَعِ الْمَضْمُونَةِ فَكَمَا كَانَ هَلَاكُ هَذِهِ السِّلْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُوجِبُ فَسْخَ الشِّرَاءِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَائِعِ ائْتِ بِمِثْلِهَا فَكَذَلِكَ كِرَاءُ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ قَبْلَ تَمَامِ الْغَايَةِ الْمُكْتَرَاةِ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ أَوْ بَقِيَّتُهُ وَكَمَا كَانَ هَلَاكُ السِّلْعَةِ الْمَضْمُونَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ اسْتِحْقَاقُهَا بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الشِّرَاءِ وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ ائْتِ بِمِثْلِهَا فَكَذَلِكَ الْكِرَاءُ الْمَضْمُونُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَّفَقٌ فَاعْلَمْهُ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ " كِرَاءُ الدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ مَضْمُونَةٍ " وَفِي الْمَعُونَةِ: " الْمَرْكُوبُ الْمُعَيَّنُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ بِتَعْيِينٍ بِإِشَارَةٍ إلَيْهِ كَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَالنَّاقَةِ " ابْنُ عَرَفَةَ لِيُحِيطَ بِهَا الْمُكْتَرِي كَالْمُشْتَرِي قَالَ: " وَالْمَضْمُونَةُ يُذْكَرُ جِنْسُهَا وَالذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ "، وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَالْمُتَيْطِيُّ زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَتَعَيَّنُ الرَّاكِبُ، وَإِنْ عُيِّنَ لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْيِينُهُ مِنْ الْمَوَّاقِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَتَعَيَّنُ الْمَرْكُوبُ مِنْ دَابَّةٍ، أَوْ سَفِينَةٍ إلَّا بِتَعْيِينِهِ كَقَوْلِهِ أُكْرِيكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ، أَوْ هَذِهِ السَّفِينَةَ مُشِيرًا إلَيْهَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِحُضُورِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ مَعَ كَوْنِ الْمُكْرِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ كِرَاءٌ مَضْمُونٌ حَتَّى يُعَيَّنَ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَوْ يُكْرِي مِنْهُ نِصْفَ الْمَرْكَبِ أَوْ رُبُعَهُ فَيَكُونُ كَشَرِيكِ التَّعْيِينِ نَقَلَهُ الشَّارِحُ فَانْظُرْهُ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ إلَّا أَنَّ الْمُكْرِيَ إذَا قَدَّمَ لِلْمُكْتَرِي دَابَّةً فَرَكِبَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزِيلَهَا تَحْتَهُ إلَّا بِرِضَاهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْبَيْتَانِ فِي حُكْمِ تَعْجِيلِ الْكِرَاءِ، وَتَأْخِيرِهِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي يَعْنِي أَنَّ الْكِرَاءَ إذَا كَانَ مَضْمُونًا يَجِبُ تَعْجِيلُ الْكِرَاءِ وَيُمْنَعُ تَأْجِيلُهُ لِأَنَّ فِيهِ تَعْمِيرَ الذِّمَّتَيْنِ وَهُوَ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَيُسَمَّى ابْتِدَاءَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَمَنْعَ التَّأْجِيلِ مُقَيَّدًا بِمَا إذَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الرُّكُوبِ فَإِنْ شَرَعَ جَازَ التَّأْخِيرُ وَالنَّقْدُ وَأَمَّا الْكِرَاءُ الْمُعَيَّنُ فَيَجُوزُ بِالنَّقْدِ وَإِلَى أَجَلٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْإِطْلَاقِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كِرَاءُ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُعَيَّنٍ، وَمَضْمُونٍ فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَجُوزُ بِالنَّقْدِ، وَإِلَى أَجَلٍ إذَا شَرِكَهُ فِي الرُّكُوبِ، أَوْ كَانَ إنَّمَا يَرْكَبُ إلَى الْأَيَّامِ الْقَلَائِلِ الْعَشَرَةِ وَنَحْوِهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَمَّا عَلَى أَنْ لَا يَرْكَبَهَا إلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنَحْوِهَا فَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ بِالنَّقْدِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِ النَّقْدِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ.
فَقَوْلُهُ: إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ إلَخْ هُوَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ النَّقْدِ لِأَنَّهُ مَعَ الطُّولِ يَكْثُرُ الْغَرَرُ، وَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ كَوْنِهِ ثَمَنًا أَوْ سَلَفًا أَمَّا التَّأْخِيرُ فَيَجُوزُ شَرَعَ أَوْ لَا لِأَنَّ الْكِرَاءَ مُعَيَّنٌ فَلَيْسَ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (ابْنُ رُشْدٍ)، وَأَمَّا كِرَاءُ الدَّابَّةِ الْمَضْمُونَةِ أَوْ الرَّاحِلَةِ الْمَضْمُونَةِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أُكْرِيَ مِنْك دَابَّةً أَوْ رَاحِلَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا بِالنَّقْدِ وَإِلَى أَجَلٍ إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الرُّكُوبِ وَإِنَّمَا تَكَارَى كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى أَجَلٍ كَالْمُتَكَارِي إلَى الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُ كَالسَّلَمِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا خَفَّفَ أَنْ يُقَدَّمَ الدِّينَارُ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ قَطَعُوا بِالنَّاسِ اهـ.
(فَرْعٌ) إذَا مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ أَوْ الدَّابَّةُ فِي الْكِرَاءِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يَنْفَسِخُ فَإِنْ مَاتَتْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّةً أُخْرَى بِعَيْنِهَا يَبْلُغُ عَلَيْهَا إلَى مُنْتَهَى غَايَتِهِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ لِأَنَّهُ كِرَاءٌ مُبْتَدَأٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَدَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَفَازَةٍ فَيَجُوزَ مُطْلَقًا لِأَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ عِنْدَهُ كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ.
وَحَيْثُ مُكْتَرٍ لِعُذْرٍ يَرْجِعُ فَلَازِمٌ لَهُ الْكِرَاءُ أَجْمَعُ
يَعْنِي: أَنَّ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ يَزُفَّ عَلَيْهَا عَرُوسًا أَوْ لِيُشَيِّعَ عَلَيْهَا رَجُلًا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ أَوْ لِيَرْكَبَهَا إلَى مَوْضِعٍ سَمَّاهُ فَبَدَا لَهُ لِعُذْرٍ حَصَلَ لَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ فَإِنَّ
[ ٢ / ٩٨ ]
الْكِرَاءَ لَازِمٌ لَهُ جَمِيعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لِعُذْرٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ إذَا رَجَعَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ إذَا تَكَارَى قَوْمٌ دَابَّةً لِيَزِفُّوا عَلَيْهَا عَرُوسًا لَيْلَتَهُمْ فَلَمْ يَزُفُّوهَا تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَعَلَيْهِمْ الْكِرَاءُ، وَإِنْ أَكْرَى دَابَّةً لِيُشَيِّعَ عَلَيْهَا رَجُلًا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، أَوْ لِيَرْكَبَهَا إلَى مَوْضِعٍ سَمَّاهُ فَبَدَا لَهُ أَوْ لِلرَّجُلِ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ، وَلْيُكْرِ الدَّابَّةَ إلَى مَوْضِعٍ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَى، وَإِنْ اكْتَرَاهَا لِيَرْكَبَ يَوْمَهُ بِدِرْهَمٍ فَأُمْكِنَ مِنْهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ، وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى الْحَجِّ، أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَعَاقَهُ مَرَضٌ أَوْ سَقَطَ أَوْ مَاتَ أَوْ عَرَضَ لَهُ غَرِيمٌ حَبَسَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، وَلَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ كِرَاءُ الدَّابَّةِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَى مِثْلَهُ، وَيَكُونُ صَاحِبُ الْإِبِلِ أَوْلَى بِمَا عَلَى إبِلِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ. اهـ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلْفُ عَلَى آجِرِهِ كَرَاكِبٍ وَنَقَلَ قَبْلَ قَوْلِهِ: وَسُنَّ لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ مَا نَصُّهُ: إنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَزُفَّ عَلَيْهَا عَرُوسًا لَيْلَةً مُعَيَّنَةً فَتَأَخَّرَ الزِّفَافُ لِمَرَضٍ، أَوْ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كِرَاءٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ اخْتِيَارًا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ، وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا فِي مِثْلِهِ اهـ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ النَّاظِمُ، وَلِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ الْخُلْفُ مِنْ الْمُكْتَرِي، وَأَمَّا إنْ خَالَفَ الْمُكْرِي وَهُوَ رَبُّ الدَّابَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ مُعَيَّنًا انْفَسَخَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ يَنْفَسِخْ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ): " وَإِذَا تَغَيَّبَ الْجَمَّالُ يَوْمَ خُرُوجِك فَلَيْسَ لَك عَلَيْهِ إنْ لَقِيتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الرُّكُوبُ أَوْ الْحَمْلُ وَلَهُ كِرَاؤُهُ " ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الرُّكُوبَ اهـ.
وَهَذَا فِي كُلِّ سَفَرٍ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ إلَّا الْحَاجَّ فَإِنَّهُ يَفْسَخُ، وَإِنْ قَبَضَ الْكِرَاءَ رَدَّهُ لِزَوَالِ إبَّانِهِ (ابْنُ الْمَوَّازِ) أَيَّامُ الْحَجِّ مُعَيَّنَةٌ فَإِذَا فَاتَتْ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْتَرٍ أَيَّامًا بِأَعْيُنِهَا وَلَا يَتَمَادَى وَإِنْ رَضَا ابْنُ يُونُسَ وَهَذَا إذَا نَقَدَهُ الْكِرَاءَ لِأَنَّ بِذَهَابِ الْأَيَّامِ الْمُعَيَّنَةِ يَجِبُ فَسْخُ الْكِرَاءِ، وَرَدُّ مَا انْتَقَدَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ رُكُوبًا لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
(تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ لُزُومِ الْكِرَاءِ إذَا رَجَعَ لِعُذْرٍ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْعُذْرُ خَاصًّا بِالْمُكْتَرِي أَوْ بِالْمُكْتَرِي وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَامًّا بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَى الْمُكْتَرِي الِانْتِفَاعُ بِالشَّيْءِ الْمُكْتَرَى لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْ تِلْكَ الدَّابَّةِ أَكْرَاهَا لِغَيْرِهِ، أَوْ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ أَكْرَاهَا مِنْ غَيْرِهِ أَمَّا إذَا تَعَذَّرَ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ بِأَمْرٍ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ مِنْ غَصْبٍ، أَوْ خَوْفٍ فِي طَرِيقٍ، أَوْ لِمَنْعِ السُّلْطَانِ النَّاسَ مِنْ سَفَرٍ مَثَلًا فَإِنَّ الْكِرَاءَ لَا يَلْزَمُ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُكْتَرِي (قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ) مَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً، أَوْ شَهْرًا فَقَبَضَهَا ثُمَّ غَصَبَهَا إيَّاهُ السُّلْطَانُ فَمُصِيبَةُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهَا، وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ (ابْنُ حَبِيبٍ) سَوَاءٌ غَصَبُوا الدَّارَ مِنْ أَصْلِهَا، أَوْ أَخْرَجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا، وَسَكَنُوهَا لَا يُرِيدُونَ إلَّا السُّكْنَى حَتَّى يَرْتَحِلُوا (ابْنُ حَبِيبٍ)، وَكَذَلِكَ الْحَوَانِيتُ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِغَلْقِهَا لَا كِرَاءَ عَلَى مُكْتَرِيهَا مِنْ رَبِّهَا، وَقَالَ سَحْنُونٌ: " الْجَائِحَةُ مِنْ الْمُكْتَرِي " وَلِابْنِ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقٌ (ابْنُ يُونُسَ) لَيْسَ هَذَا كُلُّهُ بِشَيْءٍ لِأَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ الْمُكْتَرِيَ السُّكْنَى مِنْ أَمْرٍ غَالِبٍ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ مِنْ سُلْطَانٍ، أَوْ غَاصِبٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَنَعَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَامْتِنَاعِ مَاءِ السَّمَاءِ حَتَّى مَنَعَهُ حَرْثَ الْأَرْضِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا اكْتَرَى نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ.
(تَنْبِيهٌ ثَانٍ) مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي كِرَاءِ حُلِيِّ الْأَعْرَاسِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَ أَهْلِ فَاسَ وَذَلِكَ أَنْ يَكْتَرِيَ الْمُكْتَرِي الْحُلِيَّ لِيَوْمِ الْبِنَاءِ، وَغَدِهِ، وَسَابِعِهِ، وَيُعَيِّنُ عَاشِرَ الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ مَثَلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ إلَى الثَّانِيَ عَشَرَ، أَوْ الْخَامِسَ عَشَرَ مَثَلًا، وَالْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إنْ رَجَعُوا لِعُذْرٍ فَلَا يَلْزَمُهُمْ كِرَاءٌ، وَلِغَيْرِ عُذْرٍ فَالْكِرَاءُ لَازِمٌ لَهُمْ وَأَمَّا عُقْدَةُ الْكِرَاءِ فَتَنْفَسِخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ثُمَّ إنْ اتَّفَقُوا عَلَى الْكِرَاءِ لِلْيَوْمِ الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ، وَكَانَ الْمُكْرِي لَمْ يَقْبِضْ الْكِرَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ رَدَّهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُ فِي الْكِرَاءِ الثَّانِي لِأَنَّهُ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَأَمَّا
[ ٢ / ٩٩ ]
إنْ وَقَعَ الْخُلْفُ مِنْ مُكْرِي الْحُلِيِّ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يَنْفَسِخُ لِأَنَّ الْيَوْمَ مُعَيَّنٌ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْكِرَاءَ رَدَّهُ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ كِرَاءَ الْحُلِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ تَعْرِضُ فِيهِ أُمُورٌ (مِنْهَا): أَنَّ الْمُكْتَرَى نَوْعَانِ ثِيَابٌ وَغَيْرُهَا وَذَلِكَ الْغَيْرُ عُقُودُ جَوْهَرٍ وَهِيَ أَيْضًا نَوْعَانِ (مِنْهَا): مَا جَوْهَرُهُ جَيِّدٌ مَفْصُولٌ بَيْنَ جَوَاهِرِهِ بِقِطَعِ الذَّهَبِ، وَحَجَرِ الْيَاقُوتِ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ. (وَمِنْهَا): عُقُودٌ بِكَرَاسِيِّ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ، وَجَوْهَرٍ دَقِيقٍ جِدًّا، وَأُمُورٍ أُخْرَى بَعْضُهَا فِضَّةٌ مُمَوَّهَةٌ، وَبَعْضُهَا جَوْهَرٌ خَالِصٌ، وَعَدَدُ الْعُقُودِ بِنَوْعَيْهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كَثْرَةِ الْكِرَاءِ، وَقِلَّتِهِ، وَلَا يَنْظُرُ الْمُكْتَرِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا الثِّيَابَ، وَالْبَاقِي يَعْتَمِدُ فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ الْجَارِي فِي ذَلِكَ فَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ عَقْدُ الْكِرَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَمْ لَا.
(وَمِنْهَا): أَنَّ الْكِرَاءَ يَقَعُ قَبْلَ وَقْتِ الْبِنَاءِ فَإِنْ كَانَ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَالْأَمْرُ خَفِيفٌ، وَإِنْ كَانَ بِمُدَّةٍ تَبْلُغُ الشَّهْرَيْنِ، وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُمَا فَإِنَّ الثِّيَابَ لَا تَبْقَى عَلَى صِفَتِهَا إنْ كَانَ وَقْتُ كَثْرَةِ خِدْمَتِهَا، (وَمِنْهُمَا): أَنَّ رَبَّ الْحُلِيِّ قَدْ يُعْطِي خِلَافَ مَا رَأَى الْمُكْتَرِي مِمَّا هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ أَفْضَلُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟، (وَمِنْهَا) كَوْنُ الْكِرَاءِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَبَعْضُ الْمُكْرَى كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
(وَمِنْهَا) كَوْنُ أُجْرَةِ الْمَاشِطَةِ ثَمَنَ الْكِرَاءِ مَثَلًا، وَالْكِرَاءُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ فَهِيَ إجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ وَفِيهَا خِلَافٌ.
(وَمِنْهَا): أَنَّ يَوْمَ السَّابِعِ كَثِيرًا مَا يُزَادُ عَلَيْهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ هَلْ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ؟ إذْ فِيهِ جَهْلٌ مَا، (وَمِنْهَا) تَضْمِينُ الْمَاشِطَةِ مَا هَلَكَ بِيَدِهَا مِمَّا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَوْ لَا وَهُوَ الظَّاهِرُ، (وَمِنْهَا): أَنَّهُ قَدْ يُتَّفَقُ أَنْ يُكْرِيَ وَالِدُ الزَّوْجَةِ الْحُلِيَّ مِنْ رَجُلٍ، وَتُكْرِيَ أُمُّهَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، وَالْغَالِبُ أَنَّ النِّسَاءَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ دُونَ الرِّجَالِ، كِرَاءُ مَنْ يَثْبُتُ مِنْهُمَا؟، (وَمِنْهَا): إذَا تَرَكَ الْمُكْتَرِي لُبْسَهُ يَوْمَ السَّابِعِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ لُبْسَهُ رَأْسًا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كَامِلًا، وَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْحُلِيِّ كَمْ يَنْقُصُ مِنْ الْأُجْرَةِ؟ وَالْعَمَلُ عَلَى نَقْصِ الثُّلُثِ، (وَمِنْهَا): أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْحُلِيِّ مَحَبَّةٌ وَصَدَاقَةٌ لَا يَنْظُرُ الثِّيَابَ بَلْ يَقُولُ لِرَبِّهِ: أَعْطِنِي بِنَظَرِك، وَمَا تَرَاهُ يَصْلُحُ بِي.
(وَمِنْهَا): ضَمَانُ مَا يَضِيعُ مِنْ الْجَوْهَرِ أَوْ يَعِيبُ مِنْ الثِّيَابِ عَلَى الْعِمَارِيَّةِ بِسَبَبِ حَكٍّ فِي حَائِطٍ أَوْ تَلَفِ دُخُولِ زَنْقَةٍ ضَيِّقَةٍ هَلْ عَلَى الصَّحَّافِينَ أَوْ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ مَا يَلْجَئُونَ إلَيْهِ فَمِنْ رَبِّهِ وَمَا لَا فَمِنْهُمْ.
(وَمِنْهَا): هَلْ يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى عَدَمِ الْبَيَانِ فِي الْإِجَارَةِ هَلْ هِيَ نَقْدٌ أَوْ لِأَجَلٍ؟، وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ، وَيُحْمَلُ عَلَى النَّقْدِ وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْقُدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَخِّرُ عَلَى رَهْنٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ أَجَلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ، (وَمِنْهَا): أَنَّ الْمُكْتَرِيَ إذَا وَضَعَ رَهْنًا فِي الْإِجَارَةِ ثُمَّ يَحْتَاجُ لِذَلِكَ الرَّهْنِ فَيُرِيدُ إبْدَالَهُ بِرَهْنٍ آخَرَ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي ثَانِيًا إلَّا بِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ فَيَمْتَنِعُ رَبُّ الْحُلِيِّ مِنْ إبْدَالِهِ خَوْفَ الْمَطْلِ بِالْأُجْرَةِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ إذْ لَهُ قَبْضُ أُجْرَتِهِ الْآنَ، (وَمِنْهَا): إنْ أَرَادَ الْمُكْتَرِي دَفْعَ الْأُجْرَةِ تَقَاضَيَا شَيْئًا فَشَيْئًا وَامْتَنَعَ رَبُّ الْحُلِيِّ إلَّا مِنْ قَبْضِهِ مُجْمَلًا دَفْعَةً وَاحِدَةً هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الدَّيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، (وَمِنْهَا): أَنَّ لَبْسَةَ الْحُلِيِّ قَدْ تَشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ مَا لَيْسَ عِنْدَ مُكْرِيهِ، وَلَكِنَّ وُجُودَهُ بِعَارِيَّةٍ أَوْ كِرَاءٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ كِرَاءُ مَا عِنْدَهُ مَعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟، (وَمِنْهَا): إذَا اتَّفَقَا عَلَى يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ فَاتَّفَقَ أَنْ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا فَقَالَ الْمُكْتَرِي: اصْبِرْ لِيَوْمِ السَّبْتِ هَلْ يُقْضَى عَلَى رَبِّ الْحُلِيِّ بِذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْعَادَةَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ إيثَارُ السَّبْتِ عَلَى الْجُمُعَةِ أَوْ يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ؟ .
(وَمِنْهَا): هَلْ يَجُوزُ لِرَبِّ الْحُلِيِّ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمَاشِطَةِ أَنْ لَا أُجْرَةَ لَهَا عَلَى حَمْلٍ لِمُكْتَرِيهِ وَرَدِّهِ إلَى رَبِّهِ فَقَدْ تَغْتَفِرُ هِيَ ذَلِكَ لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ النَّفْعِ بِهِ عِنْدَ مُكْتَرِيهِ، وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَتْ لَهَا أُجْرَةٌ هَلْ يَلْزَمُهَا التَّرَدُّدُ إلَى الْمُكْتَرِي لِقَبْضِ الْكِرَاءِ أَوْ لَا؟، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْرَى عَلَى الْعُرْفِ (وَمِنْهَا) عَلَى مَنْ تَكُونُ مُؤْنَةُ حَمْلِهِ لِمُكْتَرِيهِ، وَسَوْقِهِ إلَى رَبِّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ قِيَمٌ هَلْ عَلَى رَبِّهِ أَوْ عَلَى مُكْتَرِيهِ؟ فَإِنْ كَانَ شَرْطٌ عُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْعُرْفِ، (وَمِنْهَا): لِمَنْ يَكُونُ الْقَوْلُ إذَا تَنَازَعَا فِي الْحُلِيِّ هَلْ هُوَ الْمُكْتَرِي، أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ، أَوْ قَبْضِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْرِضُ مِنْ الْأُمُورِ؟ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْعُرْفُ، وَالْعَادَةُ مَا لَمْ يُؤَدِّ لِمَمْنُوعٍ شَرْعًا
[ ٢ / ١٠٠ ]
فَلَا عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَاجِبٌ تَعْيِينُ وَقْتِ السَّفَرِ فِي السُّفُنِ وَالْمَقَرِّ لِلَّذِي اُكْتُرِيَ
وَهُوَ عَلَى الْبَلَاغِ إنْ شَيْءٌ جَرَى فِيهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَا
يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ فِي كِرَاءِ السُّفُنِ أَمْرَانِ (أَحَدُهُمَا): تَعْيِينُ وَقْتِ السَّفَرِ لِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ السَّفَرِ وَعِظَمِ الْغَرَرِ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْقِيتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي الْوَقْتَ الَّذِي يُسَافِرُ فِيهِ فَيَأْخُذَ لَهُ أُهْبَتَهُ فَقَدْ يَنْقُصُ الْكِرَاءُ فِي وَقْتٍ لِخَطَرِهِ وَيُزَادُ فِي وَقْتٍ لِغَلَبَةِ الْأَمْنِ فِيهِ فَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ تَعْيِينِهِ لَكَانَ الْغَرَرُ يَلْقَى الْمُكْرِي فِي صُورَةٍ، وَالْمُكْتَرِي فِي أُخْرَى، أَوْ كِلَيْهِمَا، وَالْعُدُولُ عَنْ ارْتِكَابِ الْغَرَرِ مَتَى أَمْكَنَ وَاجِبٌ (الثَّانِي) تَعْيِينُ الْمَحَلِّ الَّذِي قُصِدَ السَّفَرُ إلَيْهِ، وَالِاسْتِقْرَارُ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَقَرِّ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ بِالْقُرْبِ، وَالْبُعْدِ، وَالْأَمْنِ، وَالْخَوْفِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَخْبَرَ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي: أَنَّ كِرَاءَ السُّفُنِ عَلَى الْبَلَاغِ كَالْجُعْلِ الَّذِي لَا أُجْرَةَ فِيهِ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ فَإِنْ غَرِقَتْ أَوْ انْكَسَرَتْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَلَا كِرَاءَ لِصَاحِبِهَا، وَضَمِيرُ فِيهَا لِلسُّفُنِ، وَضَمِيرُ لَهُ لِلْمُكْرِي (ابْنُ عَرَفَةَ) فِي حُكْمِ كِرَاءِ السُّفُنِ اضْطِرَابٌ قَالَ ابْن رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ أَنَّهُ عَلَى الْبَلَاغِ كَالْجُعْلِ الَّذِي لَا يَجِبُ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَانَ عَلَى قَطْعِ الْمُوَسَّطَةِ أَوْ الرِّيفِ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى سَفِينَةً فَغَرِقَتْ فِي ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ وَغَرِقَ مَا فِيهَا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كِرَاءَ لِرَبِّهَا وَأَرَى ذَلِكَ عَلَى الْبَلَاغِ زَادَ فِي الْمُنْتَخَبِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) كِرَاءُ السُّفُنِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ جَائِزٌ إذَا عَيَّنُوا وَقْتَ الْخُرُوجِ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ جَرْيُهَا مَعَ الرِّيحِ، أَوْ مُلَجِّجَةً فِي الْبَحْرِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى اشْتِرَاطِ مُدَّةٍ لِأَنَّ الرِّيَاحَ تُسْرِعُ وَتُبْطِئُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّارِحُ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ كِرَاءُ السُّفُنِ عَلَى الْبَلَاغِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ قَبْلَهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا تَكَسَّرَ قَبْلَ الْبَلَاغِ وَبَعْدَ قُرْبِهِ مِنْ مَحَلِّهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ رَبَّ الْمَتَاعِ قَدْ انْتَفَعَ وَلِذَلِكَ رَأَى أَصْبَغُ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ فِي مِثْلِ هَذِهِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ حَسْبَمَا حَكَاهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ قَوْلُهُ ظَاهِرٌ جِدًّا وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ الْبَلَاغِ مُجَاوَزَتُهُ إيَّاهُ مَحَلَّ اشْتِرَاطِ النُّزُولِ فَفِي النَّوَادِرِ مِنْ مَسَائِلِ ابْنِ عَبْدُوسٍ فِي قَوْمٍ اكْتَرَوْا مَرْكَبًا مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة إلَى طَرَابُلُسَ فَزَادَتْ بِهِمْ الرِّيحُ إلَى سُوسَةَ وَمِنْ الْمَتَاعِ رَبُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ طَرَابُلُسَ أَوْ غَيْرِهَا فَذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ مَتَاعَهُ بِسُوسَةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ وَإِنْ شَاءَ الرُّجُوعَ إلَى طَرَابُلُسَ بِالْمَتَاعِ خَاصَّةً أَوْ بِنَفْسِهِ خَاصَّةً أَوْ بِالْأَمْرَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ شَرَطَهُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى غَلَاءِ الْمَتَاعِ، وَلَا إلَى رُخْصِهِ بَسُوسَةَ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُتَكَارِيَيْنِ فِي الْمَحَلِّ الْمُشْتَرَطِ فَقَالَ الْمُكْرِي: إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةٍ وَقَالَ الْمُكْتَرِي: بَلْ لِإِفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةٍ، وَعَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي قَبْضِ الْكِرَاءِ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت