فِي صِفَاتِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ، وَتَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي عَدَدِهِمْ.
٦٨ - مَضْمُونُ هَذَا الْبَابِ فَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي صِفَاتِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ.
وَالثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي عَدَدِهِمْ.
٦٩ - وَنَحْنُ نُقَدِّمُ إِلَى الْفَصْلَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنَ الْإِحَاطَةِ بِهِ ; فَنَقُولُ:
قَدْ كَثُرَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ الْخَبْطُ وَالتَّخْلِيطُ وَالْإِفْرَاطُ وَالتَّفْرِيطُ، وَلَمْ يَخْلُ فَرِيقٌ - إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنِ السَّرَفِ وَالِاعْتِسَافِ، وَلَمْ تَسْلَمْ طَائِفَةٌ إِلَّا الْأَقَلُّونَ عَنْ مُجَانَبَةِ الْإِنْصَافِ، وَهَلَكَ أُمَمٌ فِي تَنَكُّبِ سَنَنِ السَّدَادِ، وَتَخَطِّي مَنْهَجِ الِاقْتِصَادِ! ! ! .
وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ فِي ذَلِكَ، أَنَّ مُعْظَمَ الْخَائِضِينَ فِي هَذَا الْفَنِّ يَبْغُونَ مَسْلَكَ الْقَطْعِ فِي مَجَالِ الظَّنِّ، وَيَمْزُجُونَ عَقْدَهُمْ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى ;
[ ٥٩ ]
وَيَتَهَاوَوْنَ بِالْغُلُوِّ عَلَى مَوَارِدِ الرَّدَى، وَيَمْرَحُونَ فِي تَعَالِيلِ النُّفُوسِ وَالْمُنَى.
٧٠ - وَهَذَا الْكِتَابُ عَلَى الْجُمْلَةِ قَلِيلُ الْجَدْوَى، عَظِيمُ الْخَطَرِ ; لَا يَنْجُو مَنْ يَقْتَحِمُ جَرَاثِيمَهُ مَنْ تَعَدَّى حَدَّ النَّصَفَةِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.
وَنَحْنُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ نَذْكُرُ فِيهِ مُعْتَبَرًا يَتَمَيَّزُ بِهِ مَوْضِعُ الْقَطْعِ عَنْ مَحَلِّ الظَّنِّ فَنَقُولُ:
٧١ - الْعِلْمُ يُتَلَقَّى مِنَ الْعَقْلِ أَوْ مِنَ الشَّرْعِ، وَأَسَالِيبُ الْعُقُولِ بِمَجْمُوعِهَا لَا تَجُولُ فِي أُصُولِ الْإِمَامَةِ وَفُرُوعِهَا.
وَالْقَوَاطِعُ الشَّرْعِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: * نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّأْوِيلُ.
* وَخَبَرٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ الرَّسُولِ - ﷺ - لَا يُعَارِضُ إِمْكَانُ الزَّلَلِ رِوَايَتَهُ وَنَقْلَهُ، وَلَا تَقَابُلُ الِاحْتِمَالَاتِ مَتْنَهُ وَأَصْلَهُ.
* وَإِجْمَاعٌ مُنْعَقِدٌ.
[ ٦٠ ]
٧٢ - فَإِذًا لَا يَنْبَغِي أَنْ تُطْلَبَ مَسَائِلُ الْإِمَامَةِ مِنْ أَدِلَّةِ الْعَقْلِ، بَلْ تُعْرَضُ عَلَى الْقَوَاطِعِ السَّمْعِيَّةِ. وَلَا مَطْمَعَ فِي وِجْدَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَفَاصِيلِ الْإِمَامَةِ. وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ مُعْوِزٌ أَيْضًا ; فَآلَ مَآلُ الطَّلَبِ فِي تَصْحِيحِ الْمَذْهَبِ إِلَى الْإِجْمَاعِ، فَكُلُّ مُقْتَضَى أَلْفَيْنَاهُ مُعْتَضِدًا بِإِجْمَاعِ السَّابِقِينَ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَكُلُّ مَا لَمْ يُصَادَفْ فِيهِ إِجْمَاعًا اعْتَقَدْنَاهُ وَاقِعَةً مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَعَرَضْنَاهُ عَلَى مَسَالِكِ الظُّنُونِ عَرْضَنَا سَائِرَ الْوَقَائِعِ، وَلَيْسَتِ الْإِمَامَةُ مِنْ قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ ; بَلْ هِيَ وِلَايَةٌ تَامَّةٌ عَامَّةٌ، وَمُعْظَمُ الْقَوْلِ فِي الْوُلَاةِ وَالْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مَظْنُونَةٌ فِي التَّأَخِّي وَالتَّحَرِّي، وَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - لِلْوُقُوفِ عَلَى هَذِهِ الْأَسْطُرِ، وَاتَّخَذَهَا فِي الْمُعْوِصَاتِ مَآبَهُ وَمَثَابَهُ، لَمْ يَعْتَصْ عَلَيْهِ مُعْضِلٌ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مُشْكِلٌ، وَسَرَدَ الْمَقْصُودَ عَلَى مُوجَبِ الصَّوَابِ بِأَجْمَعِهِ، وَوَضَعَ كُلَّ مَعْلُومٍ وَمَظْنُونٍ فِي مَوْضِعِهِ وَمَوْقِعِهِ.
وَالْآنَ نَبْدَأُ بِتَفْصِيلِ صِفَاتِ أَهْلِ الْعَقْدِ وَالِاخْتِيَارِ.
[ ٦١ ]