الْبَابُ السَّابِعُ.
فِي مَنْعِ نَصْبِ إِمَامَيْنِ.
٢٥٢ - إِذَا تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ وَاحِدٍ يُطَبِّقُ خِطَّةَ الْإِسْلَامِ نَظَرُهُ، وَيَشْمَلُ الْخَلِيقَةَ عَلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا أَثَرُهُ، تَعَيَّنَ نَصْبُهُ، وَلَمْ يَسُغْ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - نَصْبُ إِمَامَيْنِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَا يُلْفَى فِيهِ خِلَافٌ، وَلَمَّا اسْتَتَبَّتِ الْبَيْعَةُ لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الْخِلَافَةُ إِلَى مُنْقَرَضِ زَمَنِ الْأَئِمَّةِ - ﵃ أَجْمَعِينَ - فُهِمَ عَلَى الِاضْطِرَارِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى نَقْلِ أَخْبَارٍ، مِنْ مَذَاهِبِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَنَّ مَبْنَى الْإِمَامَةِ عَلَى أَنْ لَا يَتَصَدَّى لَهَا إِلَّا فَرْدٌ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا إِلَّا وَاحِدٌ فِي الدَّهْرِ، وَمَنْ لَمْ يُحِطْ بِدَرْكِ ذَلِكَ مِنْ شِيَمِ الْعَاقِدِينَ وَالَّذِينَ عُقِدَ لَهُمْ، فَهُوَ بَعِيدُ الْفَهْمِ، فَدْمُ الْقَرِيحَةِ، مُسْتَمِيتُ الْفِكْرِ.
٢٥٣ - وَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً أَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْإِمَامَةِ
[ ١٧٢ ]
جَمْعُ الْآرَاءِ الْمُشَتَّتَةِ، وَارْتِبَاطُ الْأَهْوَاءِ الْمُتَفَاوِتَةِ، وَلَيْسَ بِالْخَافِي عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ أَنَّ الدُّوَلَ إِنَّمَا تَضْطَرِبُ بِتَحَزُّبِ الْأُمَرَاءِ، وَتَفَرُّقِ الْآرَاءِ، وَتَجَاذُبِ الْأَهْوَاءِ، وَنِظَامُ الْمُلْكِ، وَقِوَامُ الْأَمْرِ بِالْإِذْعَانِ، وَالْإِقْرَارُ لِذِي رَأْيٍ ثَابِتٍ لَا يَسْتَبِدُّ، وَلَا يَنْفَرِدُ، بَلْ يَسْتَضِيءُ بِعُقُولِ الْعُقَلَاءِ، وَيَسْتَبِينُ بِرَأْيِ طَوَائِفِ الْحُكَمَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَيَسْتَثْمِرُ لُبَابَ الْأَلْبَابِ، فَيَحْصُلُ مِنِ انْفِرَادِهِ الْفَائِدَةُ الْعُظْمَى فِي قَطْعِ الِاخْتِلَافِ، وَيَتَحَقَّقُ بِاسْتِضَاءَتِهِ اسْتِثْمَارُ عُقُولِ الْعُقَلَاءِ.
٢٥٤ - فَالْغَرَضُ الْأَظْهَرُ إِذًا مِنَ الْإِمَامَةِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِانْفِرَادِ الْإِمَامِ، وَهَذَا مُغْنٍ بِوُضُوحِهِ عَنِ الْإِطْنَابِ وَالْإِسْهَابِ، مُسْتَنِدٌ إِلَى الْإِطْبَاقِ وَالِاتِّفَاقِ، إِذْ دَاعِيَةُ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ وَالشِّقَاقِ رَبْطُ الْأُمُورِ بِنَظَرِ نَاظِرَيْنِ، وَتَعْلِيقُ التَّقَدُّمِ بِأَمِيرَيْنِ، وَإِنَّمَا تَسْتَمِرُّ أَكْنَافُ الْمَمَالِكِ بِرُجُوعِ أُمَرَاءِ الْأَطْرَافِ إِلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ ضَابِطٍ، وَنَظَرٍ مُتَّحِدٍ رَابِطٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَوْئِلٌ عَنْهُ يَصْدُرُونَ، وَمَطْمَحٌ إِلَيْهِ يَتَشَوَّفُونَ، تَنَافَسُوا وَتَتَطَاوَلُوا، وَتَغَالَبُوا وَتَصَاوَلُوا، وَتَوَاثَبُوا عَلَى
[ ١٧٣ ]
ابْتِغَاءِ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَتَغَالَبُوا غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِاسْتِئْصَالِ الْجَمَاهِيرِ وَالدَّهْمَاءِ، فَتَكُونُ الدَّاهِيَةُ الدَّهْيَاءُ، وَهَذَا مَثَارُ الْبَلَايَا، وَمَهْلَكَةُ الْبَرَايَا، وَفِيهِ تَنْطَحِنُ السَّلَاطِينُ وَالرَّعَايَا.
٢٥٥ - فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ نَصْبَ إِمَامَيْنِ مَدْعَاةُ الْفَسَادِ، وَسَبَبُ حَسْمِ الرَّشَادِ، ثُمَّ إِنْ فُرِضَ نَصْبُ إِمَامَيْنِ عَلَى أَنْ يَنْفَذَ أَمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ الْخِطَّةِ، جَرَّ ذَلِكَ تَدَافُعًا وَتَنَازُعًا، وَأَثَرُ ضُرِّ نَصْبِهِمَا يُبِرُّ عَلَى تَرْكِ الْأَمْرِ مُهْمَلًا سُدًى.
وَإِنْ نُصِبَ إِمَامٌ فِي بَعْضِهَا، وَآخَرُ فِي بَاقِيهَا، مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ نَصْبِ إِمَامٍ نَافِذِ الْأَمْرِ فِي جَمِيعِ الْخِطَّةِ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا إِجْمَاعًا، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَفِيهِ إِبْطَالُ فَائِدَةِ الْإِمَامَةِ الْمَنُوطَةِ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ الْآرَاءَ كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ.
٢٥٦ - وَالَّذِي تَبَايَنَتْ فِيهِ الْمَذَاهِبُ أَنَّ الْحَالَةَ إِذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَنْبَسِطُ رَأْيُ إِمَامٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَمَالِكِ، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَسْبَابٍ
[ ١٧٤ ]
لَا تَغْمُضُ: مِنْهَا: اتِّسَاعُ الْخِطَّةِ، وَانْسِحَابُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَقْطَارٍ مُتَبَايِنَةٍ، وَجَزَائِرَ فِي لُجُجٍ مُتَقَاذِفَةٍ، وَقَدْ يَقَعُ قِيَامُ قَوْمٍ مِنَ النَّاسِ نُبْذَةً مِنَ الدُّنْيَا لَا يَنْتَهِي إِلَيْهِمْ نَظَرُ الْإِمَامِ، وَقَدْ يَتَوَلَّجُ خِطَّةٌ مِنْ دِيَارِ الْكُفْرِ بَيْنَ خِطَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيَنْقَطِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نَظَرُ الْإِمَامِ عَنِ الَّذِينَ وَرَاءَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
٢٥٧ - فَإِذَا اتَّفَقَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَدْ صَارَ صَائِرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى تَجْوِيزِ نَصْبِ إِمَامٍ فِي الْقُطْرِ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ أَثَرُ نَظَرِ الْإِمَامِ، وَيُعْزَى هَذَا الْمَذْهَبُ إِلَى شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ - ﵁ - وَغَيْرِهِمَا، وَابْتَغَى هَؤُلَاءِ مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنَ الْإِمَامَةِ اسْتِصْلَاحَ الْعَامَّةِ، وَتَمْهِيدَ الْأُمُورِ، وَسَدَّ الثُّغُورِ، فَإِذَا تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ وَاحِدٍ نَافِذِ الْأَمْرِ، فَهُوَ أَصْلَحُ لَا مَحَالَةَ فِي مُقْتَضَى السِّيَاسَةِ وَالْإِيَالَةِ، وَإِنْ عَسُرَ
[ ١٧٥ ]
ذَلِكَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ نَظَرُ الْإِمَامِ مُهْمَلِينَ لَا يَجْمَعُهُمْ وَازِعٌ، وَلَا يَرْدَعُهُمْ رَادِعٌ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَنْصِبُوا فِي نَاحِيَتِهِمْ وَزَرًا يَلُوذُونَ بِهِ، إِذْ لَوْ بَقَوْا سُدًى، لَتَهَافَتُوا عَلَى وَرَطَاتِ الرَّدَى. وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ.
٢٥٨ - وَأَنَا أَقُولُ فِيهِ: مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعَالَى: إِنْ سَبَقَ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِصَالِحٍ لَهَا، وَكُنَّا نَرَاهُ عِنْدَ الْعَقْدِ مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، ثُمَّ ظَهَرَ مَا يَمْنَعُ مِنِ انْبِثَاثِ نَظَرِهِ، أَوْ طَرَأَ، فَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ أَمْرُ الْإِمَامِ مُهْمَلِينَ، وَلَكِنَّهُمْ يُنَصِّبُونَ أَمِيرًا يَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ وَيَلْتَزِمُونَ شَرِيعَةَ الْمُصْطَفَى فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَنْصُوبُ إِمَامًا، وَلَوْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ، وَاسْتَمَكْنَ الْإِمَامُ مِنَ النَّظَرِ لَهُمْ، أَذْعَنَ الْأَمِيرُ وَالرَّعَايَا لِلْإِمَامِ، وَأَلْقَوْا إِلَيْهِ السَّلَمَ، وَالْإِمَامُ يُمَهِّدُ عُذْرَهُمْ، وَيَسُوسُ أَمْرَهُمْ، فَإِنْ رَأَى تَقْرِيرَ مَنْ نَصَّبُوهُ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى تَغْيِيرَ الْأَمْرِ، فَرَأْيُهُ الْمَتْبُوعُ، وَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ.
٢٥٩ - وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ نَصْبُ إِمَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَصْوِيرُهُ، وَلَكِنْ
[ ١٧٦ ]
خَلَا الدَّهْرُ عَنْ إِمَامٍ فِي زَمَنِ فَتْرَةٍ، وَانْفَصَلَ شَطْرٌ مِنَ الْخِطَّةِ عَنْ شَطْرٍ، وَعَزَّ نَصْبُ إِمَامٍ وَاحِدٍ، يَشْمَلُ رَأْيُهُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، فَنُصِبَ أَمِيرٌ فِي أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ لِلضَّرُورَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَنُصِبَ أَمِيرٌ فِي الْقُطْرِ الْآخَرِ مَنْصُوبٌ، وَلَمْ يَقَعِ الْعَقْدُ الْوَاحِدُ عَلَى حُكْمِ الْعُمُومِ، إِذَا كَانَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ، فَالْحَقُّ الْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَيْسَ إِمَامًا، إِذِ الْإِمَامُ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي بِهِ ارْتِبَاطُ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.
وَلَسْتُ أُنْكِرُ تَجْوِيزَ نَصْبِهِمَا عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ، وَنُفُوذَ أَمْرِهِمَا عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ، وَلَكِنَّهُ زَمَانٌ خَالٍ عَنِ الْإِمَامِ، وَسَيَأْتِي فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَكْمَلُ شَرْحٍ وَتَفْصِيلٍ، فَهُوَ أَحَدُ غَرَضَيِ الْكِتَابِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ.
فَإِنِ اتَّفَقَ نَصْبُ إِمَامٍ، فَحَقٌّ عَلَى الْأَمِيرَيْنِ أَنْ يَسْتَسْلِمَا لَهُ
[ ١٧٧ ]
لِيَحْكُمَ عَلَيْهِمَا بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا أَوِ اسْتِصْلَاحًا. وَهَذَا بَيَانُ مَضْمُونِ الْبَابِ، وَإِيضَاحُ سِرِّهِ.
٢٦٠ - ثُمَّ فَرَّعَ الْمُتَكَلِّفُونَ مَسَائِلَ لَا يَكَادُ يَخْفَى مَدْرَكُهَا عَلَى الْمُحَصِّلِ الْمُتَأَمِّلِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِيهِ مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْغَرَضُ، وَيُرْشِدُ إِلَى أَمْثَالِهِ وَأَشْكَالِهِ.
فَلَوِ اتَّفَقَ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي قُطْرَيْنِ، وَكَانَا صَالِحَيْنِ لِلْإِمَامَةِ مُسْتَجْمِعَيْنِ لِلصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ، وَعُقِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ الْإِمَامَةُ عَلَى حُكْمِ الْعُمُومِ، وَلَمْ يَشْعُرِ الْعَاقِدُونَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ بِمَا جَرَى فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، وَلَكِنْ بَيَّنَ كُلُّ قَوْمٍ مَا أَنْشَأُوهُ مِنْ الِاخْتِيَارِ وَالْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَتَفَرَّدَ مَنِ اخْتَارُوهُ بِالْإِمَامَةِ. فَإِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنْ لَا تَثْبُتَ الْإِمَامَةُ لَهُمَا ; لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، فَإِنَّ مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ يَقْتَضِي الِاسْتِقْلَالَ بِالْأَشْغَالِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَمْعُ مُسْتَقِلَّيْنِ بِالزَّعَامَةِ الْكُبْرَى مُحَالٌ.
٢٦١ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ نَصْبِ قَاضِيَيْنِ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى تَقْدِيرِ عُمُومِ وِلَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ الْبُقْعَةِ، وَالْأَصَحُّ مَنْعُ ذَلِكَ فِي الْقَاضِيَيْنِ، وَذَلِكَ مَظْنُونٌ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِمَامَ مِنْ وَرَاءِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ، وَالْمُسْتَنَابِينَ فِي الْأَعْمَالِ. فَإِنْ فُرِضَ تَنَازُعٌ، وَتَمَانُعٌ بَيْنَ وَالِيَيْنِ كَانَ وَزَرُ الْمُسْلِمِينَ مَرْجُوعًا إِلَيْهِ فِي الْخُصُومَاتِ الشَّاجِرَةِ
[ ١٧٨ ]
٢٦٢ - وَأَمَّا الْإِمَامَةُ فَهِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى، وَلَيْسَ بَعْدَهَا تَقْدِيرُ مَرْجُوعٍ إِلَيْهِ وَمَتْبُوعٍ ; فَيَسْتَحِيلُ فَرْضُ إِمَامَيْنِ نَافِذَيِ الْحُكْمِ عُمُومًا.
فَإِذَا عُقِدَتِ الْإِمَامَةُ لِرَجُلَيْنِ كَمَا سَبَقَ تَصْوِيرُهُ، نُظِرَ: فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ مَعًا، لَمْ يَصِحَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَبْتَدِئُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ عَقْدَ الْإِمَامَةِ لِمُسْتَصْلِحٍ لَهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ، فَهُوَ النَّافِذُ، وَالْمُتَأَخِّرُ مَرْدُودٌ. وَإِنْ غَمُضَ التَّارِيخُ، وَعَسُرَ إِثْبَاتُ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهَا بِالْبَيِّنَةِ، كَانَ كَمَا لَوْ تَحَقَّقْنَا وُقُوعَ الْعَقْدَيْنِ مَعًا، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَعْطِيلِ الْبَيْضَةِ عَنْ مَنْصِبِ الْإِمَامِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ مُبْهَمًا، مَعَ تَحْقِيقِ الْيَأْسِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى تَارِيخِ الْإِنْشَاءِ وَالْإِيقَاعِ. وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُخْتَارَيْنِ تَقَدُّمًا، وَرَامَ تَحْلِيفَ الثَّانِي لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْخَطْبَ الْعَظِيمَ يَجِلُّ عَنِ الْإِثْبَاتِ بِالْيَمِينِ وَالنُّكُولِ، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَحْلِيفِ النَّائِبِ، وَمَقْصُودُ الْحَقِّ لِغَيْرِهِ، فَهَذَا الْمِقْدَارُ مُقْنِعٌ كَافٍ فِي غَرَضِ الْبَابِ.