فَصْلٌ.
١٦٩ - قَدْ تَعَدَّيْنَا حَدَّ الِاخْتِصَارِ فِي تَقَاسِيمِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْمُتَصَدِّي لِلْإِمَامَةِ مِنَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَغَيْرِهِ، وَمَعْقُودُ هَذَا الْفَصْلِ وَمَقْصُودُهُ يَتَحَرَّى مَرَاسِمَ وَمَنَاظِمَ تَجْرِي فِي التَّفْصِيلِ الطَّوِيلِ مَجْرَى التَّرَاجِمِ لِيُسْتَفَادَ التَّفْصِيلُ وَالتَّعْلِيلُ وَذِكْرُ مَسَالِكِ الدَّلِيلِ مِمَّا سَبَقَ، وَنَظْمُ النَّشْرِ بِالْمَعَاقِدِ الْمُشِيرَةِ إِلَى الْمَقَاصِدِ مِمَّا نَأْتِي بِهِ الْآنَ.
[ ١١٩ ]
١٧٠ - فَنَقُولُ: الْهَنَاتُ وَالصَّغَائِرُ مَحْطُوطَةٌ، وَمَا يَجْرِي مِنَ الْكَبَائِرِ مَجْرَى الْعَثْرَةِ وَالْفَتْرَةِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِمْرَارٍ عَلَيْهَا، لَا يُوجِبُ عِنْدَنَا خَلْعًا وَلَا انْخِلَاعًا، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِيهِ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا خِلَافًا. وَأَمَّا التَّمَادِي فِي الْفُسُوقِ إِذَا جَرَّ خَبْطًا وَخَبَلًا فِي النَّظَرِ كَمَا تَقَدَّمَ تَصْوِيرُهُ وَتَقْدِيرُهُ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي خَلْعًا وَانْخِلَاعًا، عَلَى مَا سَأُفَصِّلُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٧١ - وَانْقِطَاعُ نَظَرِ الْإِمَامِ بِأَسْرٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ، أَوْ بِسُقُوطِ طَاعَتِهِ، أَوْ مَرْضَةٍ مُزْمِنَةٍ، يَتَضَمَّنُ اخْتِلَالًا بَيِّنًا وَاضِحًا، وَخَرْمًا فِي الرَّأْيِ لَائِحًا، يُوجِبُ الْخَلْعَ.
١٧٢ - وَخَلَلُ الْحَوَاسِّ، وَنُقْصَانُ الْأَعْضَاءِ يَنْدَرِجَانِ تَحْتَ ضَبْطٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اعْتِبَارُ الدَّوَامِ بِالِابْتِدَاءِ.
فَهَذِهِ مَجَامِعُ الْقَوْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا.
١٧٣ - وَلَوْ كَانَ الْقَائِمُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَتَعَاطَى عَلَى الدَّوَامِ مَا هُوَ
[ ١٢٠ ]
مِنْ قَبِيلِ الْكَبَائِرِ كَالشُّرْبِ فِي أَوَانٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُثَابِرًا عَلَى رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقَطْعِ عِنْدِي، وَقَدْ يَخْطُرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ خَرْمًا وَفَتْقًا، وَلَمْ يَمْنَعِ الْإِمَامُ ذَا حَقٍّ حَقًّا، فَفَرْضُ الدَّوَامِ فِيهِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ كَبِيرَةٍ تَنْدُرُ، وَتَصْدُرُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِي انْقِطَاعَ أَثَرٍ، وَارْتِفَاعَ نَظَرٍ.
١٧٤ - وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ مُؤَثِّرٌ، فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ إِذَا كَانَتْ عَثْرَةً، فَإِنَّهَا لَمْ تَجُرَّ خَبَالًا، وَلَمْ تَتَضَمَّنْ سُوءَ الظُّنُونِ، وَإِذَا تَتَابَعَ فِي فَنٍّ مِنَ الْعِصْيَانِ، أَشْعَرَ بِاجْتِرَاءِ الْإِمَامِ، وَاسْتِهَانَتِهِ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ يُسْقِطُ الثِّقَةَ بِالدِّينِ، وَيُمْرِضُ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَظْنُونٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَقَدْ أَسْلَفْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِمَامَةِ بَعْضُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَبَعْضُهَا يُتَلَقَّى مِنْ طَرَائِقِ الظُّنُونِ
[ ١٢١ ]