قال - ﵀-: " ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها؛ فصاروا نهابين وهابين، وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل وطعم، فإنه إذا تولى العفيف الذي لا يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء وعزلوه؛ إن لم يضروه في نفسه وماله.
وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم، وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، إن لم يحصل لهم ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها.
_________________
(١) السياسة الشرعية: ٧٣.
(٢) السياسة الشرعية: ٧٥ - ٧٦.
[ ٣٥ ]
وفريق عندهم خوف من الله تعالى، ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحا من ظلم الخلق، وفعل المحارم، فهذا حسن واجب؛ ولكن قد يعتقدون مع ذلك: أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون عنها مطلقا، وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل، أو ضيق خلق ينضم إلى ما معهم من الدين، فيقعون أحيانا في ترك واجب، يكون تركه أضر عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب، يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله، وقد يكونون متأولين.
وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، وهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل؛ لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا، وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويغفر لهم قصورهم، وقد يكونون من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه، ولا يعطي غيره، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار والفجار؛ لا بمال ولا بنفع، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم.
الفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين محمد ﷺ وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو إنفاق المال والمنافع للناس -وإن كانوا رؤساء- بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال، ولإقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليها الدين، وعفته في نفسه، فلا يأخذ ما لا يستحقه فيجمعون بين التقوى والإحسان ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون﴾، ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة" (^١).