قال - ﵀-: " فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾، وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه؛ لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه».
وكان عمر بن عبد العزيز -﵁- يقول: "والله إني لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق، فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه، سكنوا لهذه".
وهكذا كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول فهكذا ينبغي لولي الأمر في قسمه وحكمه، فإن الناس دائما يسألون ولي الأمر ما لا يصلح بنقله من الولايات، والأموال والمنافع والأجور، والشفاعة في الحدود وغير ذلك، فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن، أو يردهم بميسور من القول، ما لم يحتج إلى الإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه، خصوصا من يحتاج إلى تأليفه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَر﴾
_________________
(١) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: ٢٨/ ١٠٩.
[ ٤٧ ]
وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذى، فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة، وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض، من الطب الذي يسوغ الدواء الكريه، وقد قال الله لموسى ﵇- لما أرسله إلى فرعون -: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري -﵄- لما بعثهما إلى اليمن-: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» " (^١).