المعتصم بِاللَّه
وَهُوَ ابو اسحاق مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد وَقد تقدم نسبه وَهُوَ اول من اضيف فِي لقبه اسْم الله تَعَالَى من الْخُلَفَاء وامه ام ولد اسْمهَا ماردة
[ ١ / ٢١٧ ]
وَكَانَ ابيض اللَّوْن مشربا بحمرة اصهب اللِّحْيَة حسن الْجِسْم مربوعا طَوِيل اللِّحْيَة شجاعا شَدِيد الْبدن يحمل الف رَطْل بغدادي وَيَمْشي بهَا خطوَات فِيمَا قيل وَكَانَ كريم الاخلاق انْفَرد عَن اصحابه فِي يَوْم مطير فَرَأى شَيخا مَعَه حمَار عَلَيْهِ حمل شوك وَقد توحل الْحمار فِي الطين وَوَقع الْحمل عَنهُ وَهُوَ ينْتَظر من يمر بِهِ ليعينه على رَفعه على الْحمار فَنزل المعتصم عَن فرسه وخلص الْحمار من الطين وَرفع الْحمل عَلَيْهِ ثمَّ لحقه اصحابه فَأمر لصَاحب الْحمار بأَرْبعَة الاف دِرْهَم وَقَالَ ابْن ابي دواد تصدق المعتصم ووهب على يَدي مائَة الف وَكَانَ مَعَ ذَلِك اميا لَا يحسن الْكِتَابَة ضَعِيف الْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ وَيُقَال ان ٥٩ ب سَبَب ذَلِك انه رأى جَنَازَة بعض الخدم يَوْمًا فَقَالَ لَيْتَني مثل هَذَا حَتَّى اتخلص من الْكتاب فَقَالَ لَهُ ابوه الرشيد وَالله لَا عَذَّبْتُك بِشَيْء تخْتَار عَلَيْهِ الْمَوْت وَمنعه عَن الْكتب من يَوْمئِذٍ
وَقد حكى الزجاجي وَغَيره انه ورد عَلَيْهِ كتاب من بِلَاد الْجَبَل فِيهِ مُطِرْنَا مَطَرا كثر عَنهُ الْكلأ وَكَانَ يتقلد الْعرض وَقِرَاءَة الْكتب عَلَيْهِ كَاتبه مُحَمَّد بن عمار فَقَالَ لَهُ مَا الْكلأ فَقَالَ
[ ١ / ٢١٨ ]
لَا ادري فَقَالَ انا لله خَليفَة امي وَكَاتب عَامي ثمَّ قَالَ من يقرب منا من كتاب الدَّار فَعرف بمَكَان مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات وَكَانَ يقف على قهرمة الدَّار فَأمر باشخاصه فَأتى بِهِ فَقَالَ لَهُ مَا الْكلأ فَقَالَ النَّبَات كُله رطبه ويابسه فاذا كَانَ رطبا قيل لَهُ خلى فاذا كَانَ يَابسا قيل لَهُ حشيش ثمَّ اخذ فِي ذكر النَّبَات من ابْتِدَائه الى اكتهابه الى هيجه فأعجب بِهِ المعتصم وَقَالَ ليتقلد هَذَا الْعرض علينا ثمَّ خص بِهِ حَتَّى استوزره
بُويِعَ لَهُ بهَا يَوْم مَاتَ اخوه الْمَأْمُون بطرسوس لثمان خلون من رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ بعد ان حاول بعض اهل الدولة مبايعة ابْن اخيه الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون فَلم يتم لَهُم ذَلِك وَكَانَ نقش خَاتمه الله ثِقَة ابي اسحاق بن الرشيد وَبِه يُؤمن
وَبَقِي حَتَّى توفّي بِمَدِينَة سامرا يَوْم الْخَمِيس لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شهور ربيع الاول وَقيل فِي منتصفه سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَسنة ثَمَان واربعون سنة وَمُدَّة
[ ١ / ٢١٩ ]
خِلَافَته ثَمَان سِنِين وَثَمَانِية اشهر ويومان وَكَانَ لَهُ من الاولاد ثَمَانِيَة ذُكُور مِنْهُم هَارُون الواثق وجعفر المتَوَكل وَاحْمَدْ المستعين كل من الثَّلَاثَة ولي الْخلَافَة وَكَانَ لَهُ ايضا ثَمَان بَنَات