كَانَت خِلَافَته فِي غَايَة العظمة والفخامة حَتَّى يحْكى أَنه كَانَ يستلقي على قَفاهُ وَينظر الى السحابة الحاملة للمطر وَيَقُول إذهبي إِلَى حَيْثُ شِئْت يأتيني خراجك
واستوزر يحيى بن خَالِد بن برمك وابنيه جعفرا وَالْفضل فَكَانَ لدولته بكرمهم وَحسن تدبيرهم أكمل المفاخر
وَفِي أَيَّامه ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن الْحسن ابْن عَليّ بن أبي طَالب بالديلم ودعا إِلَى نَفسه فَبعث إِلَيْهِ
[ ١ / ١٩٤ ]
الرشيد الْفضل بن يحيى فِي جَيش عَظِيم فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة فَطلب الْأمان فَكتب لَهُ بِهِ وَكتب الرشيد خطه عَلَيْهِ فَحَضَرَ إِلَى بَغْدَاد فَأكْرمه الرشيد وَأَعْطَاهُ مَالا جزيلا ثمَّ قبض عَلَيْهِ بعد ذَلِك وسجنه حَتَّى مَاتَ فِي السجْن
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ (٥٣ ب) وَمِائَة غزا أَرض الرّوم وَفتح حصن الصفصاف وَكَانَ من أعظم حصونهم
وَفِي سنة تسعين وَمِائَة كَانَ على الرّوم ملكة فخلعوها وملكوا عَلَيْهِم ملكا اسْمه نقفور فَكتب إِلَى الرشيد كتابا فِيهِ من نقفور ملك الرّوم إِلَى هَارُون ملك الْعَرَب أما بعد فَإِن الملكة الَّتِى كَانَت قبلى أقامتك مقَام الرخ وأقامت نَفسهَا مقَام البيدق فَحملت إِلَيْك من مَالهَا مَا كنت حَقِيقا أَن تحمل أضعافه إِلَيْهَا وَلَكِن ذَلِك من ضعف النِّسَاء وحمقهن فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا ارْدُدْ إِلَى مَا وصل إِلَيْك مِنْهَا وَإِلَّا السَّيْف بَيْننَا وَبَيْنك
[ ١ / ١٩٥ ]
فَلَمَّا قَرَأَ الرشيد الْكتاب استفزه الْغَضَب وَكتب فِي جَوَابه
من هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى نقفور كلب الرّوم
أما بعد فقد قَرَأت كتابك يَا ابْن الْكَافِرَة وَالْجَوَاب مَا ترى لَا مَا تسمع ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾ وَفِي سنة تسعين وَمِائَة سَار بِنَفسِهِ فِي مائَة ألف وَخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا من المرتزقة سوى من لم يرد الدِّيوَان من الأتباع والمتطوعة حَتَّى نزل هرقلة من بِلَاد الرّوم وحصرها ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ فتحهَا وَبث ملك الرّوم بالجزية عَن رَعيته إِلَيْهِ
وَنقض أهل قبرص الْعَهْد فأغزاهم من سواحل مصر وَالشَّام فسبى وغنم وغزا فِي خِلَافَته ثمانى غزوات وَحج ثَمَان حجات
[ ١ / ١٩٦ ]
وعهد بالخلافة إِلَى ابْنه الْأمين وَجعل لِابْنِهِ الْمَأْمُون خارسان وَجعله ولى عَهده بعد الْأمين وَكتب بَينهمَا بذلك شرطا وحلفهما عَلَيْهِ وَحج بهما فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وعلق الْكتاب فِي الْكَعْبَة
ثمَّ فِي سنة تسعين وَمِائَة عزل الرشيد الثغور كلهَا من الجزيرة وقنسرين وَجعلهَا حيزا وَاحِدًا وسماها العواصم وَأمر ببناية طرسوس فبنيت
وَفِي أَيَّامه توفى الإِمَام مَالك بن أنس بِمَدِينَة النبى صلى الله عَلَيْهِ (٥٤ أ) وَسلم فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة
وَتوفيت أمه الخيزران سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة فَمشى فِي جنازتها
وأخباره كلهَا مشكورة