بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله المصطفى
لم يكن يتوقع أن تنفد نسخ الكتاب هذه المرة بسرعة غريبة، في سنتين فحسب، لما بلى لبنان بلد الناشر بالحوادث والكوارث الهائلة، الخارجية والداخلية. ولكن الله يفعل ما يريد وهو خير حافظا وأرحم الراحمين. وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها.
وأستفيد من الفرصة التي اتيحت لي بالطبعة الجديدة لتصحيحات وزيادات. وفضّل الناشر أن يجمعها كلها في آخر الكتاب في ذيل. والعذر عند كرام القّراء مأمول.
صدر منذ قليل الطبعة الجديدة لتأليف الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، من الرياض، سمّاه «كتّاب النبي ﷺ» . وفيه تفاصيل مفيدة لديوان الإنشاء لرسول الله ﷺ. وبلغ عنده عدد الذين كتبوا للنبي ﵇ واحدا وستين. ولكن مع اختصاصات: فبعضهم كان يشتغل بالمسائل العسكرية مثل تدوين أسماء المتطوّعين للغزوات والسرايا، وتسجيل المغانم وتقسيمها، وآخرون يكتبون إلى الملوك أو يشتغلون بكتابة المعاملات، وآخرون بالزكاة والصدقات، إلى غير ذلك. ولا يبقى أدنى شبهة أن النبي ﵇ كان قد أسّس ديوان الجيش، وكان يعطي المعاش للجنود حتى يكونوا دائما على أهبة للخروج في البعوث. فقد ذكر الامام محمد
[ ١ ]
الشيباني في السير الكبير: «والأصل فيه ما روى أن رسول الله ﷺ جعل محمية بن جزء الزبيدي على خمس بني المصطلق؛ وكانت تجمع إليه الاخماس (في كل غزوة) . وكانت الصدقات على حدة، لها أهل، وللفيء أهل. وكان يعطي من الصدقة اليتيم والضعيف والمسكين. فاذا احتلم اليتيم، ووجب عليه الجهاد، نقل إلى الفيء. وإن كره الجهاد لم يعط من الصدقة شيئا، وأمر أن يكسب لنفسه» . (شرح السير الكبير للسرخسي، باب ١٠٥، رقم ١٩٧٨ من طبعة المنجّد) .
ولمّا دوّن سيدنا عمر الدواوين في خلافته لم يعمل إلا استدامة النظام الاداري الذي ورثه من العصر النبوي على صاحبه الصلاة والسلام.
أما طريق الكتابة فيمكن لنا أن نستنبطه مما ذكره ابن عبد البر: «روى ابن القاسم، عن مالك، قال بلغني أنه ورد على رسول الله ﷺ كتاب، فقال: من يجيب عني؟ فقال عبد الله بن الأرقم: أنا. فأجاب عنه، وأتى به، فأعجبه وأنفذه وذكر موسى بن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يجيب عنه الملوك. وبلغ أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك، فيكتب، ويأمره أن يطيه (يطويه) ويختمه، وما يقرأه لامانته عنده. (الاستيعاب، مادة عبد الله بن الأرقم) .
وذكر الجهشياري: كان حنظلة بن الربيع بن صيفي، ابن أخي أكثم بن صيفي الاسدي، خليفة كل كاتب من كتّاب النبي ﷺ إذا غاب عن عمله. فغلب عليه اسم «الكاتب» . وكان يضع عنده خاتمه. وقال له:
«الزمني: واذكرني لكل شيء لثالثة. فكان لا يأتي على مال ولا طعام ثلاثة أيام إلا أذكّره، فلا يبيت رسول الله ﷺ وعنده شيء منه» (الوزراء والكتّاب، ص ١٢- ١٣، الأعظمي، ص ٥٥) .
وذكر ابن سعد: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد، ابني الجلندى. فاتصل عمرو بعبد بن الجلندى الذي أوصل
[ ٢ ]
عمرا إلى أخيه جيفر. قال عمرو بن العاص: «فدخلت عليه، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففضّ خاتمه وقرأه» . (الطبقات، ١/ ٦٦٢ كما ذكره الأعظمي، ص ٢٩) .
والذي يهمنا ههنا خاصة هو مسألة احتفاظ نقول الوثائق في العصر النبوي. فقال المقريزي (في إمتاع الاسماع، ١/ ١٠٧، ثم كرّر مرة أخرى فيما بعد، فراجع مخطوطة كوبرولو باستانبول ص ١٠٣٥- ١٠٣٦) أن وثيقة دستور دولة المدينة، مع ذكر المعاقل والديات، كانت معلقة بسيف النبي ﵇. وبعد وفاته كان السيف وما عليها عند سيدنا علي بن أبي طالب. وذكر البلاذري: «خاصم العباس عليا ﵄ إلى أبي بكر، فقال: العم أولى أو ابن العم؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: العم. فقال: ما بال دروع النبي، وبغلته دلدل، وسيفه عند علي؟ فقال أبو بكر: هذا شيء وجدته في يده، فأنا أكره نزعه منه. فتركه العباس» . (أنساب الاشراف، ١/ ٥٢٥، رقم ١٠٥٦) وصحيفة علي، في أثناء خلافته شهيرة، كثر ذكرها (صحيح البخاري ٣/ ٣٩/ ١، ٥٨/ ١٠، ٥٨/ ١٧/ ٢، ٩٦/ ٥/ ٢، ٢٩/ ١/ ٤، ٨٧/ ٢٤، ٨٧/ ٣١، ٨٥/ ٢١/ ١، والمصنّف لعبد الرزاق رقم ١٨٨٤٧، ١٨٨٤٨، وسنن أبي داود ١١/ ٩٥- ٩٦، وطبقات ابن سعد ٣/ ١ ص ٢٠٦، وتقييد العلم للخطيب البغدادي، ص ٨٨- ٨٩ إلى غير ذلك) وكانت تشتمل كما يظهر على ثلاث وثائق على الأقل: دستور المدينة، وحرم المدينة، وأسنان الإبل والجراحات (راجع الوثائق ١، ٣٩، ١٠٤/ الف، ب، ج، ١٠٦، ١٠٦/ د) .
ومن واجبي أخيرا أن أكرّر شكري للأخ الناشر، جزاه الله في الدارين خيرا لا عتنائه هذا بالسيرة النبوية «وقل رب زدني علما» .
باريس يوم ميلاد النبي ﵇ ١٤٠٥
الفقير إلى الله
محمد حميد الله
[ ٣ ]