يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَبِيعُوا مَخْبُرَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحُلِيِّ الْمَصْبُوغَةِ إلَّا بِغَيْرِ جِنْسِهَا لِيَحِلَّ فِيهَا التَّفَاضُلُ، وَإِنْ بَاعَهَا بِجِنْسِهَا حَرُمَ فِيهَا التَّفَاضُلُ وَالنِّسْأَةُ، وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الرِّبَا، وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْضًا فَائِدَةً لَا يَسْتَغْنِي الْمُحْتَسِبُ عَنْ مَعْرِفَتِهَا، وَهِيَ تَلِيقُ بِهَذَا الْمَكَانِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا بَاعَ حُلِيًّا زِنَتُهُ أَلْفٌ بِأَلْفٍ ثُمَّ حَدَثَ فِيهِ عَيْبٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فَلَوْ قُلْنَا: لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي
[ ١٤٤ ]
الرَّدُّ وَلَا الْأَرْشُ كَانَ ذَلِكَ إضْرَارًا بِهِ، وَلَوْ قُلْنَا: يَضْمَنُ الْأَرْشَ إلَيْهِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَسْتَرِدَّ أَلْفًا وَيَرُدَّ أَلْفًا وَزِيَادَةً، وَهُوَ عَيْنُ الرِّبَا، وَإِنْ قُلْنَا: الْبَائِعُ يَغْرَمُ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ كَانَ مَعْنَاهُ يَرُدُّ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ فَيَبْقَى فِي مُقَابَلَةِ الْأَلْفِ أَقَلُّ مِنْ أَلْفٍ، وَهُوَ عَيْنُ الرِّبَا أَيْضًا؛ وَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، وَاَلَّذِي قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ: هَذَا عَقْدٌ تَعَذَّرَ إمْضَاؤُهُ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَيُرَدُّ الثَّمَنُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى اسْتِرْدَادِ الْحُلِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الرِّبَا فَيُقَدِّرُهُ بِأَلْفٍ، وَيُوجِبُ قِيمَتَهُ بِالذَّهَبِ إنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، وَبِالْفِضَّةِ إنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ، وَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَرُدُّ وَيَغْرَمُ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْلِكُ بِالرَّدِّ إلَّا الْأَلْفَ، وَأَمَّا الْأَرْشُ فَيُقَدَّرُ إيجَابُهُ بِعَيْبٍ فِي يَدِهِ عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ فَيُقَدِّرُ غُرْمَ الْعَقْدِ وَيُوجِبُ الضَّمَانَ وَهَذَا مَسْلَكُ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ وَلَوْلَاهُ لَكَانَ ذَلِكَ إثْبَاتَ مِلْكٍ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ إذْ الْفَسْخُ لَا يَقْتَضِي الْمِلْكَ إلَّا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنَّهُ يَطْلُبُ بِالْأَرْشِ الْقَدِيمِ، وَيُقَدِّرُ كَأَنَّهُ الْمَعِيبُ لِمِلْكِهِ، أَمَّا الْمُقَابَلَةُ فَقَدْ جَرَتْ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى شَرْطِ الشَّرْعِ فَلَا يُقَدَّرُ الْآنَ رِبًا فِي الدَّوَامِ، وَهَذَا أَصَحُّهُ، وَهَاهُنَا لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ صَائِرًا إلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ أَوْ ضَمِنَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُيُوبِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا يَحْمِلُ التَّوْجِيهَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِلْوَجْهَيْنِ وَلَكِنْ اعْتَقَدَ كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَبْعَدُ مِنْ اقْتِحَامِ الرِّبَا فَلَمْ تَثْبُتْ الْخِيرَةُ.
الثَّانِي الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَةِ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ
[ ١٤٥ ]
مَعْنَاهُ اسْتِرْدَادُ جُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ؛ إذْ عَلَيْهِ رَتَّبُوا أَشْكَالَ مَسْأَلَةِ الْحُلِيِّ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَغْرَمَ لَا مِنْ عَيْنِ الثَّمَنِ لَمْ يَجِدْ إلَيْهِ سَبِيلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ غَرَامَةٌ مُبْتَدَأَةٌ تَقْدِيرُهُ بِعَيْبٍ بِجِنَايَتِهِ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا عَقْدَ، وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْحُلِيِّ الْمَغْشُوشَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُشْتَرِيَ مِقْدَارَ مَا فِيهَا مِنْ الْغِشِّ لِيَدْخُلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَإِذَا أَرَادَ صِنَاعَةَ شَيْءٍ مِنْ الْحُلِيِّ لِأَحَدٍ فَلَا يَسْبِكُهُ فِي الْكُوَرِ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ وَزْنِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَبْكِهِ أَعَادَ الْوَزْنَ، وَدَفَعَ لَهُ عَيْنَهُ حَتَّى لَا يُخَيِّلَ عَلَى صَاحِبِهِ مَتَاعَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى لِحَامٍ فَإِنَّهُ يَزِنُهُ قَبْلَ إدْخَالِهِ فِيهِ وَلَا يُرَكِّبُ شَيْئًا مِنْ الْفُصُوصِ وَالْجَوَاهِرِ عَلَى الْخَوَاتِمِ وَالْحُلِيِّ إلَّا بَعْدَ وَزْنِهَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ: إنَّ تَدْلِيسَ الصُّيَّاغِ وَغُشُوشِهِمْ خَفِيَّةٌ لَا تَكَادُ تُعْرَفُ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَمَانَتُهُمْ وَدِينُهُمْ، وَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مِنْ الْجَلَاوَاتِ وَالْأَصْبَاغِ مَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَصْبُغُ الْفِضَّةَ صَبْغًا لَا يُفَارِقُ الْجَسَدَ إلَّا بَعْدَ السَّبْكِ فِي الروباص، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُرَاقَبَةُ اللَّهِ - ﷾ - وَلَا يُزْغِلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا بِهَذَا وَلَا بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ أَكْوَارُ السَّبْكِ لَا تَكُونُ مُرْتَفِعَةً بَلْ تَكُونُ فِي قَصَارٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَخْفَى مَا يَسْبِكُهُ فِيهَا عَنْ صَاحِبِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلَا يَسْرِقُ.
[ ١٤٦ ]
مِنْ الْبَوْتَقَةِ شَيْئًا بِالْمَاسِكِ وَيُسَمَّى بِسَيْلِ النَّارِ وَلَا يَدُسُّ فِيهَا نُحَاسًا وَلَا غَيْرَهُ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَكَذَلِكَ صُنَّاعُ الْخَوَاتِمِ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُثْقِلُوا الْخَوَاتِمَ بِالرَّصَاصِ تَحْتَ الْفُصُوصِ وَيَبِيعُوهَا لِلنَّاسِ بِفِضَّةٍ وَأَنْ يُصَدَّقُوا فِي نَعْتِ فُصُوصِهَا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا زُجَاجٌ مَصْبُوغٌ فَإِنْ عَثَرَ الْمُحْتَسِبُ بِأَحَدٍ يَفْعَلُ هَذَا عَزَّرَهُ، وَأَشْهَرَهُ حَتَّى يَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمُفْسِدِينَ، وَأَمَّا تُرَابُ الدَّكَاكِينِ فَإِنَّهُ أَمْوَالُ النَّاسِ قَدْ جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ وَيُتَصَدَّقَ بِهِ عَنْ أَرْبَابِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِالْفُلُوسِ أَوْ بِعِوَضٍ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ تَكُونُ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى الرِّبَا.