وَلَا يَحِلُّ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلَّا السَّمَكَ، وَالْجَرَادَ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «أُحِلَّ لَكُمْ مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ»، وَلَا يَحِلُّ ذَكَاةُ الْمَجُوسِيِّ، وَلَا عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِقَوْلِهِ ﵎: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وَأَرَادَ بِهِ الذَّبْحَ فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكُرِهَ ذَكَاةُ الصَّبِيِّ، وَالْأَعْمَى، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّكْرَانِ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا أَخْطَئُوا مَوْضِعَ الذَّكَاةِ، وَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ حَتَّى الْقَصَبَ، وَالْحَجَرَ الْمُحَدَّدَ إلَّا السِّنَّ، وَالظُّفُرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ الذَّكَاةِ بِهِمَا.
وَقَالَ: «إنَّهُمَا مُدَى الْحَبَشَةِ»، فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْجَزَّارُ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ
[ ٩٧ ]
الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ، وَأَنْ تُسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةُ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَاتِ، وَأَنْ تُنْحَرَ الْإِبِلُ مَعْقُولَةً مِنْ قِيَامٍ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَةً يَنْحَرُهَا فَقَالَ ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -» . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَحَرَ سَبْعَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا»
فَيَأْخُذُ حَرْبَةً، أَوْ سِكِّينًا فَيَغْرِزُهَا فِي شَفْرِ النَّحْرِ، وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي فِي أَعْلَى الصَّدْرِ، وَأَصْلِ الْعُنُقِ، وَيَذْبَحُ الْبَقَرَ، وَالْغَنَمَ مُضْجَعَةً «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَضْجَعَ الْكَبْشَيْنِ»، وَأَلْحَقْنَا الْبَقَرَ بِهِمَا لِمُشَارَكَتِهِمَا إيَّاهُ فِي سُنَّةِ الذَّبْحِ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَأَنْ تُقْطَعَ الْأَوْدَاجُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ أَوْحَى، وَاعْلَمْ أَنَّهُمَا وَدَجَانِ لَا غَيْرُ، وَهُمَا عِرْقَانِ فِي جَانِبَيْ الْعُنُقِ مِنْ مُقَدِّمِهِ تَفُوتُ الْحَيَاةُ بِفَوَاتِهِمَا، وَالْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ، وَهُوَ تَحْتَ الْحُلْقُومِ فَإِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ، وَبَعْضَ الْمَرِيءِ فَوَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فَلَوْ، وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ هَلْ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، أَوْ لَا فَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْحَرَكَةِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِنْ تَحَرَّكَ بَعْدَهُ حَلَّ، وَظَهَرَ أَنَّ حَرَكَتَهُ كَانَتْ حَرَكَة مَذْبُوحٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّك لَمْ يَحِلَّ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ لَا بُدَّ مَعَ الْحَرَكَةِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِنْ قَرَائِنَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الظَّنُّ أَمَّا مُجَرَّدُ الْحَرَكَةِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَا يُكْتَفَى بِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالِاخْتِلَاجِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَكَذَا لَا عِبْرَةَ بِإِنْهَارِ الدَّمِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: خُرُوجُ الدَّمِ دَلِيلُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ، وَلَا يَجُرُّ شَاةً بِرِجْلِهَا جَرًّا عَنِيفًا، وَلَا يَذْبَحُ بِسِكِّينٍ كَالَّةٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ.
وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ»، وَلَا يَشْرَعُ فِي السَّلْخِ بَعْدَ الذَّبْحِ حَتَّى تَبْرُدَ الشَّاةُ، وَتَخْرُجَ مِنْهَا الرُّوحُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ -
[ ٩٨ ]
أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ لَا تُسْلَخُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ حَتَّى تَبْرُدَ، وَيُمْنَعُوا مِنْ ذَبْحِ الْبَقَرِ الْحَوَامِلِ، وَقَدْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَمَرَ أَلَّا يُذْبَحَ مِنْ الْبَقَرِ إلَّا الْمَخْلُوعَ الْوَرِكَ، وَالْأَعْوَرَ، وَالْأَعْمَى، وَالْمَقْلُوعَ السِّنِّ، وَالْمُرَيَّشَ الْعُنُقِ، وَالْمَجْنُونَ، وَالْمَشْقُوقَ الْحَافِرِ، وَمَا بِهِ عَاهَةٌ، أَوْ مَرَضٌ ظَاهِرٌ، وَكَذَا الْجَوَامِيسَ، وَالْبَقَرَ الْحَبَشِيَّةَ، وَأَنْ تُذْبَحَ بَهِيمَةٌ، وَفِي بَطْنِهَا، وَلَدٌ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «الْجَنِينُ ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» .
وَيُنْهَى الْأَبْخَرُ عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّاةِ عِنْدَ السَّلْخِ؛ لِأَنَّ نَكْهَتَهُ تُغَيِّرُ اللَّحْمَ، وَتُزَفِّرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشُقُّ اللَّحْمَ مِنْ الشَّفَافِيرِ، وَيَنْفُخُ فِيهِ الْمَاءَ، وَلَهُمْ أَمَاكِنُ يَعْرِفُونَهَا فِي اللَّحْمِ يَنْفُخُونَ فِيهَا الْمَاءَ، فَيُرَاعِيهِمْ الْمُحْتَسِبُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْهِرُ فِي السُّوقِ الْبَقَرَ السِّمَانَ ثُمَّ يَذْبَحُ غَيْرَهَا، وَلَا يَذْبَحُ جَمَلًا مُقَرَّحَ الْجِسْمِ إلَّا أَنْ يُبْرِئَ مَا بِجِسْمِهِ.