(فَصْلٌ) وَأَمَّا آلَةُ اللَّعِبِ الَّتِي لَيْسَ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْقَيْنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ فَفِيهَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ تُفَارِقُهُ مَعْصِيَةٌ كَتَصْوِيرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا وَجْهٌ، وَالْمَنْعُ مِنْهَا وَجْهٌ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إنْكَارُهُ، وَإِقْرَارُهُ، قَدْ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ - وَهِيَ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَأَقَرَّهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا» .
وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قُلِّدَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ فَأَزَالَ سُوقَ الدَّاذِيِّ، وَمَنَعَ عَنْهَا، وَقَالَ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلنَّبِيذِ الْمُحَرَّمِ، وَأَقَرَّ سُوقَ اللَّعِبِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا، وَقَالَ قَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - تَلْعَبُ
[ ٣٦ ]
بِالْبَنَاتِ بِمَشْهَدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ فِي اللَّعِبِ بِبَعِيدٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا سُوقُ الدَّاذِيِّ فَالْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّبِيذِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ نَادِرًا فِي الدَّوَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ فَبَيْعُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى إبَاحَةَ النَّبِيذِ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهِ، وَمَكْرُوهٌ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ حَالِهِ، وَلَيْسَ مَنْعُ أَبِي سَعِيدٍ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهِ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْمُظَاهَرَةِ بِإِفْرَادِ سُوقِهِ، وَالْمُجَاهَرَةِ بِبَيْعِهِ إلْحَاقًا بِإِبَاحَةِ مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إبَاحَةِ مَقْصُودِهِ لِيَقَعَ لِعَوَامِّ النَّاسِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ إنْكَارُ الْمُجَاهَرَةِ بِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ، وَإِلَّا مَا كَمَا تُنْكَرُ الْمُجَاهَرَةُ بِالْمُبَاحِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ.
فَأَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهَا، وَلَا أَنْ يَهْتِكَ الْأَسْتَارَ حَذَرًا مِنْ الِاسْتِتَارِ بِهَا، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ يُقَمْ حَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِ» .
وَمِنْ شَرْطِ الْمُنْكَرِ الَّذِي يُنْكِرُهُ الْمُحْتَسِبُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فَكُلُّ مَنْ سَتَرَ مَعْصِيَةً فِي دَارِهِ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي انْتِهَاك حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا مِثْلُ مَنْ يُخْبِرُهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا فَيَجُوزُ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَتَجَسَّسَ، وَيُقْدِمَ عَلَى الْكَشْفِ، وَالْبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ مِنْ انْتِهَاك الْمَحَارِمِ، وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ.
الثَّانِي: مَا خَرَجَ عَنْ هَذَا الْحَدِّ، وَقَصَرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ لَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ
[ ٣٧ ]
عَلَيْهِ، وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عَنْهُ، حُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَتَعَاقَرُونَ عَلَى شَرَابٍ، وَيُوقِدُونَ فِي الْأَخْصَاصِ فَقَالَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْمُعَاقَرَةِ فَعَاقَرْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ فَقَالُوا نَهَاك اللَّهُ عَنْ التَّجَسُّسِ فَتَجَسَّسْت، وَعَنْ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ فَدَخَلْت فَقَالَ هَاتَيْنِ بِهَاتَيْنِ، وَانْصَرَفَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ، فَإِنْ سَمِعَ الْمُحْتَسِبُ أَصْوَاتَ مَلَاهٍ مُنْكَرَةٍ مِنْ دَارٍ تَظَاهَرَ أَهْلُهَا بِأَصْوَاتِهَا أَنْكَرَهَا خَارِجَ الدَّارِ، وَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَمَّا سِوَاهُ.