(فَصَلِّ) قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن عَلَيَّ بْن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ اعْلَمْ أَنَّ الْحِسْبَةَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ، وَأَحْكَامِ الْمَظَالِمِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَمُقَصِّرَةٌ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَزَائِدَةٌ عَنْهُ مِنْ، وَجْهَيْنِ فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا جَوَازُ الِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ، وَسَمَاعُهُ دَعْوَى الْمُسْتَعْدِي عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَخْسٍ أَوْ تَطْفِيفٍ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ غِشٍّ أَوْ تَدْلِيسٍ فِي مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ أَوْ تَأْخِيرِ دَيْنٍ مُسْتَحَقٍّ مَعَ الْمُكْنَةِ فَإِنَّهَا مُنْكَرَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهَا.
[ ٩ ]
وَاخْتِصَاصُهَا بِمَعْرُوفٍ بَيِّنٍ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى إقَامَتِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحِسْبَةِ إلْزَامُ الْحُقُوقِ، وَالْمَعُونَةِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ إذَا، وَجَبَ بِاعْتِرَافٍ، وَإِقْرَارٍ مَعَ مُكْنَةٍ، وَيَسَارٍ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهُ مُنْكَرًا، وَتَعَدِّيًا، وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا فَأَحَدُهُمَا قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ كَالْعُقُودِ، وَالْفُرُوضِ، وَالْفُسُوخِ، وَالْكَسَاوَى فَلَا تُسْمَعُ الدَّعَاوَى فِيهَا إلَّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ يَزِيدُ عَلَى إطْلَاقِ الْحِسْبَةِ فَيَجُوزُ، وَيَصِيرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَامِعًا بَيْنَ قَضَاءٍ، وَحِسْبَةٍ فَيُرَاعَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُعْتَرَفِ بِهَا أَمَّا مَا يَدْخُلُهُ التَّنَاكُرُ، وَالتَّجَاحُدُ فَإِنَّهُ يَقِفُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَالنَّظَرِ فِي الشُّهُودِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْقُضَاةِ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنْهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ مُسْتَعْدٍ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ يَشْتَكِي، وَلَوْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي لِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَنْصِبِ وِلَايَتِهِ، وَصَارَ مُتَجَوِّزًا فِي قَاعِدَةِ نَظَرِهِ.
وَالثَّانِي: فَإِنَّ لِلنَّاظِرِ فِي الْحِسْبَةِ مِنْ سَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُنْكَرَاتِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ؛ لِأَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرَّهْبَةِ، وَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إلَيْهَا بِالسَّلَاطَةِ، وَالْغِلْظَةِ
[ ١٠ ]
تَجَوُّزًا فِيهَا، وَلَا خَرْقًا فِي مَنْصِبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَبْحَثَ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ لِيَصِلَ إلَى إنْكَارِهَا، وَيَتَفَحَّصَ عَمَّا تُرِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْحِسْبَةِ، وَالْمَظَالِمِ فَبَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ، وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ، أَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مِنْ، وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَقُوَّةِ الصَّرَامَةِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ لِأَسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إلَى إنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ لِمَا رُفِعَ عَنْهُ الْقُضَاةُ.