(فَصْلٌ): وَإِذَا رَأَى الْمُحْتَسِبُ أَحَدًا قَدْ احْتَكَرَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْوَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ، وَيَتَرَبَّصَ لِيَزْدَادَ فِي ثَمَنِهِ أَلْزَمهُ بَيْعَهُ إجْبَارًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِكَارَ حَرَامٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -
[ ٦٥ ]
«مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ لَمْ تَكُنْ صَدَقَتُهُ كَفَّارَةً لِاحْتِكَارِهِ» .
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ»، وَقِيلَ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ نَفْسًا.
وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ، وَجْهَهُ مَنْ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَسَا قَلْبُهُ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ أَحْرَقَ طَعَامًا مُحْتَكَرًا بِالنَّارِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: لَا حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا لَا يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولُ مَالٍ مِنْ أَذْهَابٍ إلَى رِزْقٍ مِنْ أَرْزَاقِ اللَّهِ يَنْزِلُ بِسَاحَتِنَا - فَيَحْتَكِرُونَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ كَيَدِهِ فِي الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ فَذَاكَ، وَصْفُ عُمَرَ فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، إنَّ الِاحْتِكَارَ مِنْ الظُّلْمِ، وَدَخَلَ تَحْتَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ، وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِهِ فِي الْوَقْتِ، وَالْجِنْسِ أَمَّا الْجِنْسُ فَيَطَّرِدُ النَّهْيُ فِي أَجْنَاسِ الْأَقْوَاتِ أَمَّا مَا لَيْسَ بِقُوتٍ، وَلَا هُوَ مُعَيَّنٍ عَلَى الْقُوتِ كَالْأَدْوِيَةِ، وَالْعَقَاقِيرِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَأَمْثَالِهِ فَلَا يَتَعَدَّى النَّهْيُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا، وَأَمَّا مَا يُعَيَّنُ عَلَى الْقُوتِ كَاللَّحْمِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَمَا يَسُدُّ مَسَدًّا يُغْنِي عَنْ الْقُوتِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ فَهَذَا فِي مَحَلِّ النَّظَرِ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ طَرَدَ التَّحْرِيمَ فِي السَّمْنِ، وَالْعَسَلِ، وَالشَّيْرَجِ، وَالْجُبْنِ، وَالزَّيْتِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ.
[ ٦٦ ]
وَأَمَّا الْوَقْتُ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا طَرْدُ النَّهْيِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُخَصَّصَ بِوَقْتِ قِلَّةِ الْأَطْعِمَةِ، وَحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ فِي تَأْخِيرِ بَيْعِهِ ضَرَرٌ مَا، وَأَمَّا إذَا اتَّسَعَتْ الْأَطْعِمَةُ، وَكَثُرَتْ، وَاسْتَغْنَى النَّاسُ عَنْهَا، وَلَمْ يَرْغَبُوا فِيهَا إلَّا بِقِيمَةٍ قَلِيلَةٍ، وَانْتَظَرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ قَحْطًا فَلَيْسَ فِي هَذَا إضْرَارٌ، وَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ قَحْطٍ كَانَ فِي ادِّخَارِ الْعَسَلِ، وَالشَّيْرَجِ، وَأَمْثَالِهِ إضْرَارٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِتَحْرِيمِهِ، وَيُعَوَّلُ فِي نَفْيِ التَّحْرِيمِ، وَإِثْبَاتِهِ عَلَى الضِّرَارِ فَإِنَّهُ مَفْهُومٌ قَطْعًا مِنْ تَخْصِيصِ الطَّعَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضِرَارٌ فَلَا يَخْلُو احْتِكَارُ الْأَقْوَاتِ عَنْ كَرَاهِيَةٍ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ مَبَادِئُ الضِّرَارِ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْأَسْعَارِ، وَانْتِظَارُ مُبَادَى الضِّرَارِ مَحْظُورٌ كَانْتِظَارِ عَيْنِ الضِّرَارِ، وَلَكِنَّهُ دُونَهُ فَبِقَدْرِ دَرَجَاتِ الْإِضْرَارِ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ الْكَرَاهِيَةِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ، أَوْصَى بَعْضُ التَّابِعِينَ رَجُلًا لَا تُسَلِّمْ، وَلَدَك فِي بَيْعَتَيْنِ، وَلَا فِي صَنْعَتَيْنِ بَيْعِ الطَّعَامِ، وَبَيْعِ الْأَكْفَانِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى الْغَلَاءَ، وَمَوْتَ النَّاسِ، وَالصَّنْعَتَانِ أَنْ يَكُونَ جَزَّارًا فَإِنَّهَا صَنْعَةٌ تُقَسِّي الْقُلُوبَ، وَصَوَّاغًا فَإِنَّهُ يُزَخْرِفُ الدُّنْيَا بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ، وَاجِبٌ.