(فَصْلٌ): وَيَلْزَمُ الْقَصَّارِينَ أَلَّا يَسْرِقُوا أَقْمِشَةَ النَّاسِ، وَلَا يَلْبَسُوهَا وَلَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا مِنْ صُنَّاعِهِمْ يَلْبَسُهَا، وَلَا يَرْهَنُوا لِأَحَدٍ شَيْئًا مِنْ أَقْمِشَةِ النَّاسِ وَيَكْتُبُوا عَلَى كُلِّ خِرْقَةٍ اسْمَ صَاحِبِهَا لِئَلَّا يَخْتَلِطَ أَقْمِشَةُ النَّاسِ، وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَائِدَةً لَا يَسْتَغْنِي الْمُحْتَسِبُ عَنْ مَعْرِفَتِهَا، وَالْحُكْمِ فِيهَا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا قَصَرَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ ثُمَّ تَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتْلَفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَالنَّظَرُ فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهَا الْأُجْرَةُ وَالْآخَرُ الضَّمَانُ أَمَّا الضَّمَانُ فَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ أَوْ يَدُ ضَمَانٍ وَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَتَخْرُجُ عَلَى أَنَّ الْقِصَارَةَ عَيْنٌ أَوْ أَثَرٌ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَيْنٌ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ أَثَرٌ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ مُسَلَّمًا كَمَا فُرِّعَ فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ فَبِكَمْ يُطَالَبُ فَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ
[ ١٣٩ ]
أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الثَّوْبِ عَلَى الْبَتِّ وَيَجْعَلُ الْقِصَارَةَ لَمْ تَكُنْ فَإِنَّهَا فَاتَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتْلَفَ بِإِتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ أَثَرٌ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُطَالِبَ الْأَجْنَبِيَّ بِقِيمَتِهِ مَقْصُورًا وَكَذَا الْقَصَّارُ إنْ قُلْنَا: يَدُهُ يَدُ ضَمَانٍ، الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتْلَفَ بِإِتْلَافِ الْمَالِكِ فَتَسْتَقِرَّ الْأُجْرَةُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَتْلَفَ بِإِتْلَافِ الْأَجِيرِ وَفِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إتْلَافَهُ كَإِتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ كَآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ الْقَصَّارُ إذَا قَصَرَ الثَّوْبَ ثُمَّ جَحَدَ ثُمَّ اعْتَرَفَ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ لِتَرَاخِي الْجُحُودِ، وَلَوْ أَنَّهُ جَحَدَ ثُمَّ قَصَّرَ ثُمَّ اعْتَرَفَ فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّ الْجُحُودَ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ، وَقَدْ وَفَّى مَا اسْتَحَقَّ، وَإِنَّمَا أَثَرُ الْجُحُودِ أَنْ يَصِيرَ ضَامِنًا.
وَالثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّهُ أَضْمَنُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَسْقُطَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: سُقُوطُ الضَّمَانِ، قَالَ الرَّبِيعُ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الْأَجِيرَ لَا يَضْمَنُ وَلَكِنْ لَا يَبُوحُ بِهِ خُفْيَةَ أُجَرَاءِ السُّوءِ.