فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ بَلَدٍ عَلَى تَعْطِيلِ الْجَمَاعَاتِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَتَرَكَ الْأَذَانِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ كَانَ الْمُحْتَسِبُ مَنْدُوبًا إلَى أَمْرِهِمْ بِالْأَذَانِ، وَالْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَهَلْ ذَلِكَ، وَاجِبٌ عَلَيْهِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَوْ مُسْتَحَبٌّ لَهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي إطْبَاقِ أَهْلِ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَهَلْ يَلْزَمُ السُّلْطَانَ مُحَارَبَتُهُمْ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَأَمَّا مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَوْ تَرَكَ الْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ لِصَلَاتِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ عَادَةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّدْبِ الَّذِي يَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا اسْتِرَابَةٌ أَوْ يَجْعَلَهُ إلْفًا، وَعَادَةً، وَيَخَافُ تَعَدِّي ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ فَمُرَاعَاةُ حُكْمِ الْمَصْلَحَةِ فِي زَجْرِهِ عَمَّا اسْتَهَانَ بِهِ مِنْ سُنَنِ عِبَادَتِهِ وَيَكُونُ، وَعِيدُهُ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ.
كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَجْمَعُوا حَطَبًا، وَآمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، وَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَحْضُرُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ» .
وَأَمَّا مَا
[ ٢٤ ]
يُؤْمَرُ بِهِ آحَادُ النَّاسِ، وَأَفْرَادُهُمْ فَكَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ، وَقْتُهَا فَيُذَكَّرُ بِهَا، وَيُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا، وَيُرَاعَى جَوَابُهُ عَنْهَا فَإِنْ قَالَ تَرَكْتهَا لِلنِّسْيَانِ حَثَّهُ عَلَى فِعْلِهَا بَعْدَ ذِكْرِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّبْهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِتَوَانٍ، أَوْ هَوَانٍ أَدَّبَهُ زَجْرًا، وَأَخَذَهُ بِفِعْلِهَا جَبْرًا، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا، وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي فَضْلِ التَّأْخِيرِ.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَاتُ فِي بَلَدٍ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُهُ عَلَى تَأْخِيرِ صَلَاةٍ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَالْمُحْتَسِبُ يَرَى فَضْلَ تَعْجِيلِهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالتَّعْجِيلِ عَلَى، وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ اعْتِيَادَ جَمِيعِ النَّاسِ لِتَأْخِيرِهَا يُفْضِي بِالصَّغِيرِ النَّاشِئِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ دُونَ مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ عَجَّلَهَا بَعْضُهُمْ تَرَكَ مَنْ أَخَّرَهَا مِنْهُمْ، وَمَا يَرَاهُ مِنْ التَّأْخِيرِ.