فقراء الخوائِق: وأنت قد عرفت أن حقيقة الصّوفي من أعرض عن الدنيا، وأقبلَ على العبادة، فقل لفقير الخانقاه: إن دخلتها لتسُدَّ رمقك، وتستعين على التصوّف فهذا حق، وإن أنت دخلتها لتجعلها وظيفة تحصِّل بها الدنيا؛ ولست متصفًا بالإعراض عن الدنيا، والاشتغال غالب الأوقات بالعبادة، فأنت مبطل، ولا تستحق في وقف الصوفية شيئًا، وكلُّ ما تأكله منها حرام؛ لأنَّ الواقف لم يقفها إلَّا على الصوفية، ولست منهم في شيء. وقد كثر من جماعة اتخاذ الخوانق أسبابًا، والدلوق المرقعة طرائق للدنيا، فلم يتخلقوا من أخلاق القوم بغير لباس الزور. وهؤلاء المتشبهة الذين يقول فيهم الشافعيّ رضي اللَّه تعالى عنه فيما نقل عنه: رجل أكول، نئوم كثير الفضول. وقال الإمام أبو المظفَّر ابن السَمْعاني: نعوذ باللَّه من العقرب والفأر، ومن الصوفيّ إذا عرف باب الدار. وقال شيخنا أبو حيَّان في هؤلاء: أَكَلَة، بَطَلَة، سَطَلَة! لا شغل ولا مشغلة.
[ ٩٧ ]
وقيل: رجل يظهر الإسلام،؛ ويبطن فاسد العقيدة ونهاية الإقدام، في رجله جمجم وعذبته من قدام، يكون غالبًا من بلاد الأعجام. وقال بعضهم:
ليس التصوّف لبس الصوف ترقعه ولا بكاءك إن غَنّى المغنونا
فهؤلاء القوم إذا اتخذوا الخوانق ذريعة للباس الزور، وأكل الحشيش، والانهماك على حُطام الدنيا، لا سترهم اللَّه، وفضحهم على رؤوس الأشهاد؛ ولكن فيهم -وللَّه الحمد- من لا يدخل الخانقاه إلَّا ليقطع علائقه ويشتغل بربه، ويرضى بما يتهيّأ منها مُعينًا له على سدّ رمقه، وستر عورته؛ فللَّه دَرُّه!.