الحاجب: والحجوبية (٢) وظيفة قديمة كانت تُسَمَّى القيادة. وكان الحاجب يسمَّى قائد الجيش. ولم يكن في الزمان الماضي يحكم بل يَعْرِض الجيش، ويعتبر حاله، ويُنهيه إلى الأمير. والآن اصطلحت الترك على أنَّه يفضل [في] القضايا. فنقول: عليه رفع الأمور إلى الشرع، وأن يعتقد أن السياسة لا تنفع شيئًا؛ بل تضرُّ البلاد والرعايا، وتوجب الهَرْج والمَرْج. ومصلحة الخلق فيما شرعه الخالق الذي هو أعلمُ بمصالحهم، ومفاسدهم؛ وشريعة نبينا محمد -ﷺ- متكفِّلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم. ولا يأتي الفساد إلَّا من الخروج عنها، ومن لزمها صلحت أيامه، واطمأنَّت؛ ولم يقض رسول اللَّه -ﷺ- نحبه حتى أكملَ اللَّه لنا ديننا. وقد اعتبرت -ولا ينبئك مثل خبير- فما وجدت، ولا رأيت، ولا سمعت بسلطان، ولا نائب سلطان، ولا أمير، ولا حاجب، ولا صاحب شُرْطَةُ يُلقي الأمور إلى الشرع إلَّا وينجو بنفسه من مصائب هذه الدنيا، وتكون مصيبته أبدًا أخفَّ من مصيبة غيره، وأيّامه أصلح، وأكثر أمنًا وطمأنينة، وأقلُّ مفاسد. وأنت إذا شئت فانظر تواريخ الملوك والأمراء العادلين، والظالمين، وانظر أيُّ الدولتين أكثرُ طمأنينة وأطولُ أيّامًا؟ وكذلك اعتبرتُ فلم أر ولم أجد من يظنُّ أنَّه يُصلح الدنيا بعقله، ويدبِّر البلاد برأيه وسياسته، ويتعدَّى
_________________
(١) الاستحسان هنا الدياثة والقيادة على الحرم. وانظر شفاء الغليل.
(٢) الذي في القاموس أنَّ خطة الحاجب أي حرفته ووظيفته الحجابة. وكأنَّ المولدين صاغوا الحجوبية على مثال الفروسية والرجولية.
[ ٣٨ ]
حدود اللَّه تعالى وزواجره إِلَّا وكانت عاقبته وخيمة، وأيامه منغَّصة منكِّدة وعيشه قلِقًا، وتفتح عليه أبواب الشرور، ويتَّسع الخرق على الراقع، فلا يُسد ثلمة إِلَّا وتنفتح ثُلمات، ولا يرفع فتنة إِلَّا وينشأ بعدها فتن كثيرة. وعلى مثله يصدق قول الشاعر:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فمن خطر له أنَّه إن لم يسفك الدماء بغير حق، ويضرب المسلمين بلا ذنب لم تصلح أيّامه فعرِّفه أنَّه جهول باغٍ أحمق حمار، دولته قريبة الزوال، ومصيبته سريعة الوقوع، وهو شقِيٌّ في الدنيا والآخرة. وإذا أخذه اللَّه لم يُفلته، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) أخبر عزَّ وعلا أنَّا إن لم نحكِّم هذا النَّبيّ العظيم ثم إذا حَكَمَ لم نجد في أنفسنا حرجًا وضِيقًا وقَلَقًا من حكمه بل تطمئنُّ له ونسلِّم، وننقاذ ونذعن. وإلَّا فنحنُ غير مؤمنين، فكفى بهذه الآية واعظًا وزاجرًا لمن وفَّقه اللَّه تعالى. فإن قال حمار من هؤلاء: أنا من أين أعرف هذا وأنا عامّيّ تركيّ لا أعرف كتابًا ولا سنَّة؟ قلنا له: هذا لا ينفعك عند اللَّه تعالى شيئًا؛ ألم يجعل اللَّه لك عينين، ولسانًا وشفتين، وهداكَ النجدين. إذا كنت لا تعرف فاسأل أهل الذكر؛ فإن هذا شأن من لا يعلم؛ وإلَّا فأنت تأتي يوم القيامة وغرماؤك الذين ضربتهم وعاقبتهم يجرُّونك في الحبال وأنت تسحب على وجهك، ولا ينفعك هناك شيء من هذه الأقاويل. وإن عجزت عن الفهم فما لكَ وللدخول في هذه الوظيفة؟! دعها.
إذا لم تستطع أمرًا فدعهُ وجاوزهُ إلى ما تستطيع