أمراء (٢) الدولة: عليهم تفقُّد حال الأجناد، وتعليمهم رمي النُشّاب، والمسابقةَ على الخيل، بحيث يعرفون الطّعان والضرب والحرب. وللأمير أن يحثَّهم في المسابقة والمناضلة على الرهن إذا كان يبعث عزائمهم. والرهن في
_________________
(١) يريد بأرش البكارة ما يعرف عند الفقهاء بالحكومة. وهو الفرق بين قيمة المجني عليه سليمًا وقيمته معيبًا بفرضه رقيقًا. فهنا يقدَّر قيمة المزني بها على فرض أنها أَمَة وهي بكر، وقيمتها وهي ثيب. والأرش ما بين القيمتين.
(٢) هم المعروفون الآن بضباط الجيش.
[ ٤٢ ]
ذلك جائز. ومَنْ شرط العقد عليه لزمه إِلَّا أن يكون على صوة القِمار فهو حرام لا يلزم فيه العوض. وصورة القِمار أن يكون كل واحد منهما لا يخلو عن غنْم أو غرم؛ وذلك أن يُخرِجِ كلّ واحد من الفارسين دينارًا مثلًا على أنَّ مَن سبق منهما أخذ الدينارين جميعًا. فهذا حرام، إلَّا أن يكون هناك محلَّل؛ وهو ثالث يسابقهما بفرس كفِئ لفرسيهما على أنَّه إن سبقهما أخذ الدينارين، وإن سبقاه لم يغرم شيئًا. وتصحّ المسابقة على الفِيَلة والبغال والحمير في الأصح. ولا تجوز على الحَمَام، ولا على غيره من الطيور. ولا يجوز الصّراع على الأصح. وما يعتاده الأمراء في هذا الزمان من لعب الكرة في الميدان حلال. وينبغي أن يقصدوا به تعليم الخيل الإِقبال والإِدبار، والكرّ والفرّ.
وأمَّا المراهنة في ذلك إن كانت من جانب واحد فهي جائزة ولكن لا يلزم العِوَض فيها بل هي تبرّع إن شاء وَفَى به، وإن شاء لم يفِ. وإن كان الرهن من الجانبين كان قمارًا حرامًا. وأمَّا العلاج (١) الذي يتعاطاه الشباب فإن كان لا يضرّ أبدانهم ولا يشغلهم عن ذكر اللَّه وعن الصلاة فهو جائز، ولا يجوز فيه الرهن. وعلى الأمير إذا سار بالجيش الرفق بهم، والسير على سير أضعفهم، وتفقُّد خيولهم، وتقوية قلوبهم. ومن قبائح كثير من الأمراء أنهم لا يوقِّرون أهل العلم، ولا يعرفون لهم حقوقهم، وينكرون عليهم ما هم يرتكبون. وما أحمق الأمير إذا كان يرتكب معصية ووجد فقيهًا يُقال عنه مثلها أن ينتقصه ويعيبه. وما له لا ينظر إلى نفسه مع ما خوَّله اللَّه تعالى من النعم! ما أعلم أنَّ القبيح عند اللَّه تعالى حرام بالنسبة إلى كل أحد؟ وربَّما كان عند الفقيه ما يستر قبيحه وليس عند الأمير وراء ذلك القبيح إِلَّا أمثاله من القبائح. فممَّا يتعيَّن على الأمير إذا أنهي إليه عن أحد من أهل العلم سوءٌ ألَّا يصدقه، ويحسن الظنَّ بهذه الطائفة؛ فإن لحومهم مسمومة. وما رأيت أميرًا يغضُّ من جانب الفقهاء إلَّا وكانت عاقبته عاقبة سوْء. فإن تيقَّن على أحد منهم سوءًا واتَّضح عنده كالشمس -ولن يصير ذلك إن شاء اللَّه تعالى- فعلى الأمير بعد ذلك أن يتفقَّد نفسه فإن كان هو أيضًا يفعل ذلك الفعل فليَعُدْ على
_________________
(١) العلاج هو إشالة الأحجار ورفعها. وكانوا يتسابقون في ذلك. وفي هذه الأيام قد يجري التسابق في إشالة كتل الحديد.
[ ٤٣ ]
نفسه باللائمة ويقولَ: أنا أذنبت ذنبين؛ لأني جاهل مرتكب هذا القبيح، فكيف أؤاخذ هذا الذي لم يذنب إلَّا ذنبًا واحدًا وهو هذا القبيح، فقد شاركني في ارتكاب الذنب وفارقني في أنَّه عالم وأنا جاهل، فأنا أنحس منه، لأنِّي صاحب ذنبين، وهو صاحب ذنب واحد. وبلغنا أن فقيهًا رُفع إلى بعض الأمراء وهو سكران فأخذ الأمير يجلده، والأمير أيضًا سكران، فلمَّا قام الفقيه قال: ربِّ اغفر لي، وجاء إلى القاضي وقال: أقم عليَّ الحدَّ، فإنَ الأمير فاسق لا تصح إقامته الحد. فأهلك اللَّه ذلك الأمير بعد أيّام يسيرة.
ومن قبائحهم استكثارهم الأرزاق -وإن قلَّت- على العلماء، واستقلالهم الأرزاق -وإن كثرت- على أنفسهم. ورأيت كثيرًا منهم يعيبون على بعض الفقهاء ركوب الخيل، ولبس الثياب الفاخرة. وهذه الطائفة من الأمراء يخشى عليها زوال النعمة عن قريب، فإنَّها تتبختر في أنعم اللَّه مع الجهل والمعصية. وتنقم على خاصة خَلْقه يسيرًا ممَّا هم فيه. أفما يخشون ربهم من فوقهم! ولو اعتبرَ واحد منهم رزق أكبر فقيه لوجده دون رزق أقلِّ مملوك عنده. أفما يستحي هذا الأمير المسكين من اللَّه تعالى! وإذا سلبه اللَّه تعافي نعمته فَلِمَ يتعجَّب ويبكي؟ أو مَا يدري أنَّ واحدة من هذه المصائب تهلكه وتدمِّره وما أحسن ما رأيته منقوشًا على دواة بعض الأمراء، وهو من نظمي، وأنا أمرت بأن يكتب:
حلَّفت من يكتب بي باللَّه ربِّ العالَمِ
ألا يمد مدَّة تؤلم قلب عالِمِ
ومن قبائحهم ما يذهِّبونه منِ الذهب في الأطرزة (١) العريضة والمناطق وغيرها من أنواع الزراكش التي حرَّمها اللَّه ﷿ وزخرفة البيوت سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول اللَّه -ﷺ- من ضيِّق سكة (٢) المسلمين. وأنت
_________________
(١) جمع الطراز، وهو علم يوضع على الثوب، يحتوي شعار السلطان أو الأمير. وقد كان لكتابة الطراز في العهود السابقة دار خاصة تسمى دار الطراز.
(٢) السكة في الأصل الطابع الذي يطبع به النقد من دراهم ودنانير، وهو يكون من حديد. والمراد بسكة المسلمين هنا النقد نفسه.
[ ٤٤ ]
إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة تجده قناطير مقنطرة لا يحصيها إلَّا اللَّه تعالى؛ فإنه لا بدَّ في كل منطقة أو طراز ونحوه من ذهاب شيء -وإن قلَّ جدًا- تأكله النار، وهو في الأبنية أكثر. فإذا ضممت ذلك القليل إلى قليل آخر على اختلاف في البقاع والأزمان لم يحصِ ما ضاعَ من القناطير المقنطرة من الذهب إِلَّا اللَّه تعالى. ثم القدر الذي يسلم ولا يضيع يصير محبوسًا عندهم أطرزة ومناطق وسلاسل وكنابيش (١) وسروجًا وغير ذلك من المحرمات المختلفة الأنواع. ولو كان مضروبًا سكة يتداوله المسلمون لانتفعوا به، ورخصت البضائع، وكثرت الأموال. ولكنهم احتجروا (٢) وفعلوا هذه القبائح وطلبوا من اللَّه تعالى أن ينصرهم، ومِنَّا أن ندعو لهم. ولو أنهم اتَّقُوا اللَّه حقَّ تقاته لما افتقروا إلى دعائنا. وهذا نائب السلطنة في الشام الذي هو عندنا اليوم لا يلبس طرازًا من ذهب، ولا يفعل شيئًا من هذه المحرمات، واللَّه تعالى ينصره ويؤيِّده. وقد ناب في دمشق ثلاث مرات ولم يخرِج منها قط إِلَّا معززًا مكرمًا. أفترى ذلك سدًى! واللَّه لولا تقواه لما كان ذلك أبدًا. وقد طلبَ الملك المظفَّر سيف الدين قُطز شيخَ الإِسلام وسلطان العلماء عزّ الدين بن عبد السلام بحضرة الملك الظاهر بيبرس والملك المنصور قلاوون وغيرهما من الأمراء، وحادثه في الخروج إلى لقاء العدو من التتار، لمَّا دهموا البلاد ووصلوا إلى عين جالوت فقال له: اخرج وأنا أضمن لك على اللَّه النصر. فقال الملك: إنَّ المال في خزائني قليل، وأريد الاقتراض من التجار. فقال: إذا أحضرت أنت وجميع العسكر كل ما في بيوتكم وعلى نسائكم من الحلي الحرام، وضربته على السكة، وأنفقته في الجيش، وقصر عن القيام بكلفتهم أنا أسأل اللَّه تعالى لكم في إظهار كنز من كنوز الأرض يكفيكم ويفضل عنكم. وأمَّا أنكم تأخذون أموال المسلمين وتخرجون إلى لقاء العدو عليكم المحرمات من الأطرزة المزركشة، والمناطق المحرَّمة، وتطلبون من اللَّه النصر فهذا لا سبيل إليه. فوافقوه وأخرجوا ما عندهم. ففرَّقه، وكفى، وخرجوا
_________________
(١) الكنابيش واحدها كنبوش -بفتح الكاف- وهو البرذعة تكون تحت السرج، وكان يكتب عليها ألقاب السلطان أو الأمير بالزركش والحرير في عهد المماليك. انظر محيط المحيط.
(٢) احتجروا أي استأثروا بالمال يقال: احتجرَ الأرض أي ضرب عليها منارًا وأختصَّ بها.
[ ٤٥ ]
وانتصروا. وأنت ففكر واحسب تقديرًا: كم على وجه الأرض من طراز ومِنْطقة وحلي حرام؟ وكم يكون مبلغه إذا اجتمعَ وضربَ نقدًا يتعامل به المسلمون؟ قال لي مرة بعض الأمراء وقد حكيت له كثرة ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يقطعه للأجناد وكذلك من بعده من خلفاء الصحابة ﵃، وخلفاء بني أمية، وما كان عدد عساكرهم التي تضيق الأرض دونها. فقال: إذا كان عسكرهم هذا القدر العظيم، وإقطاعاتهم هذه الإِقطاعات، فمن أين كانوا يجدون المال الذي يكفيهم؟ والبلاد البلاد ما تغيَّرت. فقلت: من هذه الأطرزة والحلي المحرَّم والخيول المسومة. قال: كيف؟ قلت: ما كانوا يعملون هذا الحلي ولا يشترون الفرس بمائة ألف درهم والمملوك بخمسين ألفًا، ولا ينتهون في الخيلاء إلى معشار ما انتهيتم إليه فقال: صدقت. ولقد سمعت أنَّ واحدًا منهم خرج مرة إلى الصيد فافتضَّ هو ومماليكه من بنات البَرِّ ما يزيد على سبعين بنتًا حرامًا. فإذا فعل واحد منهم هذا الفعل، وتنوَّع في الفسق بالغلمان والخمور والبرطيل ونحو ذلك، ثم سلبه اللَّه النعمة، وسلَّط عليه أقلّ الأعداء في أيسر وقت لا يتعجَّب؛ بل يذوق بأس اللَّه إذا نزل بساحته. ومن منكراتهم ركوبهم والجنائب (١) تُقاد بين أيديهم مُسْرَجة غير مركوبة، وهم مع ذلك يجدون المحتاج ماشيًا ولا يُركبونه، وإنَّما يمشون بالجنائب للتزيُّن لا لحاجة. روى أبو داود (٢) من حديث سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "تكون إبل للشياطين، وييوت للشياطين". فأمَّا إبل الشياطين فقد رأيتها: يخرج أحدكم بنجيبات (٣) معه قد أسمنها، فلا يعلو بعيرًا منها، ويمرُّ بأخيه قد انقطع فلا يحمله. وأمَّا بيوت الشياطين فلم أرها. قال سعيد: لا أُراها إلَّا هذه الأقفاص التي تُستر بالديباج. قلت: الأقفاص المستورة بالديباج كالمِحفَّة والمحائر (٤)
_________________
(١) جمع جنيبة، وهي الدابة تقاد إلى جنب الراكب.
(٢) ورد هذا في سنن أبي داود في أبواب الجهاد.
(٣) بنجيبات وهي جمع نجيبة، وهي ضرب من الإبل.
(٤) واحدها محارة، وقد استعملها المولدون في هودج صغير. وهي في الأصل ضرب من الصدف. وانظر شفاء الغليل.
[ ٤٦ ]
وغيرها ممَّا يتعاناه أهل الثروة. وهذا فيمن قادَ الجنائب بالخُيَلاء. أمَّا من يقودها ليحمل ضعيفًا يراه في الطريق فهو حسن. وكذلك إذا قادها في الجهاد خشية أن فرسه تعجز. ومنها أن الجنديّ يقاتل ويخاطر بنفسه فيَقتل في الحرِب كافرًا، فلا يعطونه سَلَبه؛ والنَّبيّ -ﷺ- قد أعطاهُ إيَّاه حيث قال: "من قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبه". فيمنعونه ما أعطاه سيد الأولين والآخرين -ﷺ- ويفتّرون بذلك عزائم الجند؛ فإنَّ الجنديّ إذا عرف أنَّه يخاطر بنفسه فلا ينصَف فترت عزيمته. وحقَّ عليهم أن يعطوه سلَب المقتول. وهو ثياب القتيل ودرعه وسلاحه ومركوبه وسرجه ولجامه. وكذا سواره ومنطقته وخاتمه وما معه من النفقة، ومن جنيب يقاد معه على الصحيح. وإنَّما يَستحقُّ السلب مَن ركب الخطر لكفاية شر كافر في حال الحرب. فلو رَمَى من حصن، أو من الصف، أو قتل نائمًا، أو أسيرًا، أو قتله بعد انهزام الكفار، فلا سلب له. ولو لم يقتله ولكن أسره أو قطع يديه أو رجليه استحقَّ سَلَبه على الجديد؛ وخالفَ فيه الشيخ الإِمام.