شيخ الخانقاه: وربَّما سمي كبير هذه الطائفة شيخ الشيوخ؛ وربَّما قيل: شيخ شيوخ العارفين. وسمعت الشيخ الإمام يشدِّد النكير في هذه العبارة، ويقول: شيخ شيوخ العارفين! يردِّدها مرارًا منكرًا لها، ويقول: لم يقنع بادعاء المعرفة؛ حتَّى ادَّعى أنه شيخ شيوخها. وإذا عرفت هذا فنقول: حقٌّ على شيخ
[ ٩٦ ]
الخانقاه تربية المريد، وحمل الأذى والضيم على نفسه، واعتبار قلوب جماعته قبل قوالبهم، والكلام مع كل منهم بحسب ما يقبله عقله، وتحمله قواه، ويصل إليه ذهنه، والكفّ عن ذكر ألفاظ ليس سامعها من أهلها؛ كالتجلِّي والمشاهدة ورفع الحجاب، إذا كان السامع بعيدًا عنها؛ فإن في ذكرها له من المفاسد ما لا خفاء به، بل يأخذ المريد بالصلاة والتلاوة والذكر، ويُربيه على التدريج. واللَّهَ اللَّهَ في ألفاظ جرت من بعض سادات القوم، لم يَعنوا بها ظواهرها، وإنَّما عنوا بها أمورًا صحيحة؛ فلا ينبغي للشيخ ذكرها لمريد لا يفهمها؛ فإنَّه يُضله؛ مثل ما يُقال عن بعضهم: العلم حجاب؛ فإنَّه لا يريد به ظاهر ما يفهمه المبتدئ منه؛ ولكن له معنى لا يناسب حالَ المبتدئ الكشف عنه، وغير ذلك من ألفاظ ربَّما جرى بعضها في حال السكر؛ فإنَّها ممَّا لا يقتدى بها، ولا توجب القدح في قائلها؛ بل نسلم إليه حاله، ونقيم عذره فيما سقط من بمين شفتيه حالة الغيبة؛ فإنَّ الشارع لم يكلف غائب الذهن. هذا إذا فقدت أسباب التأويل لكلامه بالكلية؛ ولن نجد ذلك إن شاء اللَّه تعالى في كلام أحد من المعتبرين؛ بل قد نزَّه اللَّه تعالى ألفاظهم عن الأباطيل، وما لهم كلمة إلَّا ولها محمِل حسن.