الوالي: وكان هذا الاسم قديمًا لا يسمَّى به إلَّا نائب السلطان. وهو الآن اسم لمن إليه أمرَ أهل الجرائم من اللصوص والخمارين وغيرهم. ومن حقِّه الفحص عن المنكرات: من الخمر والحشيش ونحو ذلك، وسدَّ الذريعة فيه، والستر على من ستره اللَّه تعالى من أرباب المعاصي، وإقالة ذوي الهيئات عثراتهم. وليس له أن يتجسس على الناس ويبحث عمَّا هم فيه من منكر، ولا كبس (١) بيوتهم بمجرد القال والقيل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (٢). وثبت في صحيح مسلم أنَّه -ﷺ- قال: "إيَّاكم والظنّ فإنَّ الظن أكذب الحديث "ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا". قال العلماء: أرادَ بالظنِّ سوء الظن. وقيل لابن مسعود: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال: إنَّا نهينا عن التجسُّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. أخرجه أبو داود (٣). وعن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: " إنَّك إن اتَّبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدتَ تفسدهم"؛ أخرجه أبو داود أيضًا. فقل لجاهل يخطر له أنَّه يصلح الناس بتتبع عوراتهم: رسول اللَّه -ﷺ- أصدق البشر قال: إن اتَّبعتها أفسدتهم أو كدت. بل حقّ على الوالي -إذا تيقَّن- أن يبعثَ
_________________
(١) يقال: كبس بيت فلان: هجم عليه والمراد أن يفجأه، ويدخله على غرة.
(٢) سورة الحجرات الآية ١٢.
(٣) سنن أبي داود في أبواب الأدب.
[ ٤٠ ]
سرًا رجلًا مأمونًا ينهى عن المنكر بقدر ما نهى اللَّه ولا يزيد على ذلك. وما تفعله الولاة من إخراج القوم من بيوتهم، وإرعابهم وإزعاجهم وهتيكتهم، كل ذلك من تعدِّي حدود اللَّه تعالى، والظلم القبيح. وليس للوالي غير أن يجلدهم فقط بسوط معتدل بين القضيب (١) والعصا، لا رطب ولا يابس، ويفرِّق السياط على الأعضاء، ويتَّقي الوجه والمقاتل، ولا يتَّقي الرأس على الصحيح، وهو مذهب أبي بكر الصديق ﵁، وفيه وجه أنَّه يتقيه، وهو مذهب عليّ ﵁؛ وبه قال أبو حنيفة: ولا يلقى على وجه ولا يُمد، ولا يُجرَّد عن ثيابه، بل عن مقدار ما يدفع وصول الألم؛ ويترك عليه قميص أو قميصان. ولا يُقام حد الخمر في السكر بل يؤخر حتى يفيق. فإن أقامه في السكر أخطأ ولم يعده إذا أفاق، نقله أبو حيّان التوحيدي عن القاضي أبي حامد. فإن سمعت بوال بلغه عن جماعة أنهم على منكر فأتى بخيله ورجله، وهتكَ ستر أناس سترهم اللَّه تعالى، ثم ضمَّ إلى ذلك أخذ مال منهم تسمّيه الولاة التأديب والجنايات، فاعلم أن صفقته خاسرة، ليتَ شعري آللَّه أمره بهذا حتى يعتمده مع خلقه! والذي يجب عليه التأديب هذا الوالي الذي يأخذ مال الناس من غير حلِّه. فإن ضمَّ إلى ذلك أن حد الخامل الفقير ولم يحد المتجوِّه الغني فقد ضمَّ ظلمًا إلى ظلم. فإن زادَ وأخرج القوم من بيوتهم وهتك حريمهم فقد باءَ بأقبح إثم؛ فإنَّ اللَّه تعالى لم يأمر بذلك. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٢). ومن الولاة من يتجاوز في الضرب المقادير، ويتنوّع في إيصال الآلام لمن يعاقبه بمجرَّد التهمة والظن؛ أفما علم هذا الفاجر أن ضرب بريء أصعبُ عند اللَّه تعالى من تخلية ذي جريمة. وبعض من طبع اللَّه على قلبه من الولاة، يأمر بالرجل أن يجرَّد، فإذا شرع الجلّاد في ضربه قامَ الوالي للصلاة، وأطال -سمعت ذلك عن بعض ولاة القاهرة- فيستمرُّ المضروب تحت العِصِيّ والمقارع ما دامَ الوالي في الصلاة. فقبَّحه اللَّه، آللَّه أمره بهذا! وأي صلاة هذه!
ومن أحكام الولاة الفاسدة، أنه إذا رفع إليهم من أزال بكارة امرأة أمروه بزواجها، وكذلك إذا أحبلها: ظنًا منهم أن ذلك خير ممن ضياع الولد بلا
_________________
(١) أي الغصن.
(٢) سورة الطلاق الآية ١.
[ ٤١ ]
نسب، وهتيكة الزنا. وهذا خلاف دين اللَّه تعالى؛ فإنَّ ولد الزنى لا يُلحق بالزاني، ولا يكون ابنًا له، ولا يرثُه، فيفعلون حرامًا يستمر أبد الآباد، وهو جعل ولد الزنى ابنًا يرث الزَّاني ويصلِّي عليه إلى غير ذلك من أحكام الأبناء. وحكم اللَّه تعالى فيمن أزالَ بكارة امرأة بغير حقّ إن كانت مكرهة أنَّه يجب عليه مهر بكر وأرش (١) البكارة هذا هو الصحيح، وقيل: مهر ثيِّب وأرش البكارة. وقيل: مهر بكر فقط. وكل منها وقع للرافعيّ ترجيحُه، وتبعه النووي، ولكن الأول هو التحقيق. وأمَّا المطاوِعة فلا يجب لها شيء.