المفتي: وقد خصَّ جماعة كتاب أدب الفتيا بالتصنيف، وذكر الفقهاء ما لا طائلَ في إعادته؛ لكنَّا ننبّه على ما كثر في بعض المفتين فنقول:
منهم من يسهِّل أمر الشرع، ويتناهى إلى أن يُفتي ببعض ما لا يعتقده من المذاهب، ويرخِّص لبعض الأمراء ما لم يرخص فيه لعموم الخلق بعض العلماء؛ فيقول مثلًا لمن سأله عن انتقاض الوضوء بمسِّ الذكر: لا ينتقض عند أبي حنيفة، وعن لعب الشطرنج، وأكل لحوم الخيل: حلالٌ عند الشافعي، وعن مجاوزة الحد في التعزيرات: جائز عند مالك، وعن بيع الوقف إذا خرب وتعطَّلت منفعته، ولم يكن له ما يعمر به: حلال عند أحمد بن حنبل، وهكذا. فليتَ شعري: بأي مذهب أفتى هذا الفتي؟! وعلى أيّ طريقة جرى؟! وبأي إمام يتعلَّق؟! فلقد ركَّب لنفسه بمجموع هذه الأمور مذهبًا لم يقله أحد. فإن قلت: أليس ذهب بعضهم إلى جواز تتبّع الرخص؟ قلت: ذلك على ضعفه لا يوجب إغراء السَّفِلة بدين اللَّه تعالى، وتخصيص الأمراء دون غيرهم. وقائل هذه
[ ٨٠ ]
المقالة يخصِّصُ بها من يشاء، ولا يعتقدها أيضًا؛ فإنَّه لو اعتقدها لم يخصّ بها. وهذا من علامات الاستهانة بدين اللَّه تعالى؛ نعوذُ باللَّه من الخذلان. وما هذا المفتي إلَّا ضالّ، خارق لحجاب الهيبة، مسقط لأبَّهة الشرع، مفسد لنظام الدين. أُنشِدت لبعض سفهاء الشعراء:
الشافعيّ من الأئمة قائل: اللعب بالشِطْرَنج غير حرام
وأبو حنيفة قال -وهو مصدَّق في كل ما يروى من الأحكام-:
شرب المثلَّث والمربَّع جائز فاشرب على أمن من الآثام
وأباح مالك الفِقاح (١) تكرُّما في ظهر جارية وظهر غلام
والحبر أحمد حل جلد عُمَيرة (٢) وبذاك يستغنى عن الأرحام
فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج في كل مسألة بقولِ إمام
فقلت: رأي في مثل هذا الشاعر أن يُضرب بالسياط، ويُطاف به في الأسواق. فقبَّحه اللَّه تعالى وأخزاه! لقد أجترأ على أئمة المسلمين، وهداة المؤمنين. وقد افترى على مالك فيما عزاه إليه، وعلى الكل في تسمية الشطرنج قمارًا، وإطلاق الزنا واللواط والشرب على ما سمَّاه؛ ومَنْ هذه حاله يؤول -والعياذ باللَّه تعالى- إلى الزندقة. ولعلَّ الأصل في هذا قول أبي نواس:
أباحَ العراقيّ النبيذ وشربه وقال: حرامان المدامة والسكم
وقال الحجازي: الشرابان واحد فحلَّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما وأشربها لا فارق الوازر الوزرُ
ومعنى هذا أنَّ أبا حنيفة -وهو العراقيّ- أباحَ النبيذ إذا لم يسكر، وحرَّم المسكر مطلقًا: نبيذًا كان أو خمرًا، والخمر مطلقًا: مسكرًا كان أو غير مسكر، وأنَّ الشافعيّ -وهو الججازي- قال: الشرابان واحد: النبيذ والخمر فيحرم قليل كل منهما وكثيره، فركَّب هو من بين قوليهما قولًا ثالثًا، لكنه رافع للمجمع عليه؛
_________________
(١) هو إصابة الفقحة، وهي الدبر، وهذا كناية عن اللواط.
(٢) جلد عميرة كناية عن الاستمناء باليد.
[ ٨١ ]
وهو وفاق الشافعي على أنَّ الشرابين واحد، لكن لا في الحرمة بل في الحل. فهو مع أبي حنيفة في تحليل النبيذ غير المسكّر، ومع الشافعيّ في أن المسكر والخمر مثل النبيذ، ومخالف له في حرمة المثلَّث؛ فيقول: مِثْله، لكن في الحل؛ والشافعي رضي اللَّه تعالى عنه يقول: مِثْله لكن في الحرمة. فهذا أبو نواس لم يقصد إلَّا نوعًا من المجون الذي لم يخلُ عنه الأدباء؛ ولكن المجون في هذا الباب قبيح جدًا؛ لأنَّه تلاعب بدين اللَّه تعالى.
ومنهم طائفةٌ تصلَّبت في أمر دينها؛ فجزاها اللَّه تعالى خيرًا: تنكر المنكر وتشدَّد فيه، وتأخذ بالأغلظ، وتتوقَّى مظانّ التهم؛ غير أنها تبالغ، فلا تذكر لضعفة الإيمان من الأمراء والعوائم إلَّا أغلظ المذاهب، فيؤدِّي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم.
فمن حق هذه الطائفة الملاطفة، وتسهيلِ ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير إذا كان الشرع قد جعلَ لتسهيله طريقًا؛ كما أنَّ من حقها التشديد فيما ترى أنَّ في تسهيله ما يؤدِّي إلى ارتكاب شيء من محرَّمات اللَّه تعالى. فقد روي أنَّ سائلًا جاء إلى عبد اللَّه بن عباس ﵄، فسأله: هل للقاتل توبة؟ فقال: لا توبة له. وسأله آخر، فقال: له توبة. فسئل ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن ذلك، فقال: أمَّا الأوَّل فرأيت في عينيه إرادة القتل، فمنعته. وأمَّا الثاني فجاء مستكينًا قد قَتَل فلم أقنّطه، قلحط: ومن ثمَّ قال الصيمريّ: إنْ سأله سائل، فقال: إن قتلت عبدي فهل عليَّ قصاص؟ فواسع أن يقول: إن قتلتَه قتلناك؛ فعن النَّبيّ -ﷺ-: "من قتل عبده قتلناه" ولأن القتل له معانٍ. وهذا كله إذا لم يترتَّب على إطلاقه مفسدة.
ومنهم من يتسرَّع إلى الفتيا معتمِدًا على ظواهر الألفاظ، غير متأمِّل فيها؛ فيوقع الخلق في جهل عظيم، ويقع هو في ألمٍ كبير، ربَّما أداه ذلك إلى إراقة الدماء بغير حقٍّ. وأنا أذكر أمثلة ممَّا تصلح للإلغاز، منبّهًا بها على أخواتها. فمنها ما حَكي أنَّ شخصًا أحبَّ الاجتماع بالمأمون أمير المؤمنين، فأعياهُ السعي في ذلك، ولم يصل إليه. فقام في ملأٍ من الناس، وقال: أيُّها الناس، اثبتوا عليَّ؛ فلست بسائل. اعلموا أنَّ عندي ما ليس عند اللَّه، ولي ما ليس للَّه، ومعي
[ ٨٢ ]
ما لم يَخْلق اللَّه، وإنِّي أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول: إنَّ اليهود قالت حقًا، وإنَّ النصارى قالت حقًا، ومعي زرع ينبت بغير بَذْر، وسراج يضيء بغير نار، وأنا أحمد النَّبيّ، وأنا ربَّكم، وأرفعكم وأضعكم. فقاموا إليه، وكادوا يأتُون على نَفْسه، وقالوا: لا كفر فوق هذا الكفر، وصاروا به إلى المأمون. فلمَّا مثَل بين يديه قال له: ما الذي قلت؟ قال: لي حاجة إلى أمير المؤمنين، ولم أصل إليه، وعرفت أنِّي إن أقل هَذا أمثلْ بين يديه. وأعادَ القول، ثم أخذ يتأوَّل، فقال له: أما قولي: عندي ما ليس عند اللَّه، فعندي الظلم والجور. وأمَّا قولي: لي ما ليس للَّه، فإنَّ لي صاحبة وولدا، وليس للَّه تعالى صاحبة ولا ولد. وقولي: ومعي ما لم يخلق اللَّه: القرآن. والفتنة: المال والولد. والحق الموت. والزرع بغير بذر: شعر الرأس. والسراج المضيء بلا نار: العينان. والحق الذي قالته اليهود والنَّصارى: ما أشار اللَّه إليه بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أمَّا قولي: وأنا أحمد النَّبيِّ فالنَّبيّ منصوب على المفعولية، بأحمد، وأحمد فعل، فأنا أحمد نبيّنا محمدًا -ﷺ- وأشكره. وأنا ربَّكم: صاحب كمٍّ، أرفع ذلك الكم، وأضعه. فاستحسن المأمون ذلك منه، وقضى حاجته، وأصغى إلى كلامه. قلت: وهذا الاطلاق الذي أطلقه هذا الملغز مستهجن مستقبح؛ ولا يجوز عندي ذكره مطلقًا؛ لما فيه من إيهام الكفر. ولكن بتقدير إطلاقه لا ينبغي الإقدام على التكفير من غير تأمُّل وتفحُّص.