الصوفيّة: حيّاهم اللَّه وبيّاهم، وجَمَعنا في الجنَّة نحن وإياهم.
وقد تشعَّبت الأقوال فيهم تشعُّبًا ناشئًا عن الجهل بحقيقتهم؛ لكثرة
_________________
(١) النبع والغرب: ضربان من الشجر. والنبع من جيد الشجر، والغرب من رديئة؛ يريد أنها ليست من حسن الحديث ولا قبيحة، كما يقال: لا خمر ولا خل.
[ ٩٣ ]
المتلبسين بها؛ بحيث قال الشيخ أبو محمَّد الجُوَيْنيّ: لا يصح الوقف عليهم؛ لأنه لا حدَّ لهم يعرف؛ والصحيح صحته، وأنهم المُعْرِضون عن الدنيا، المشتغلون في أغلبِ الأوقات بالعبادة؛ ومن ثمَّ قال الجُنَيد: التصوُّف استعمال كل خُلُقٍ سنِيّ، وترك كل خُلق دنِيّ؛ وقال أبو بكر الشِبْليّ: التصوُّف ضبط حواسّكَ، ومراعاة أنفاسك، وقال ذو النون: الصوفي من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإذا سكت نطقت عنه الجوارحِ بقطع العلائق؛ وقال عليّ بن بُنْدار: التصوُّف إسقاط رؤية الخلق ظاهرًا وباطنًا: وقال أبو عليّ الروُّذَبَارِيّ: الصوفيّ من لبس الصوف على الصفا، وأذاقَ الهوى طعمُ الجفا، ولزم طريق المصطفى، وكانت الدنيا منه على القفا. وكان الشيخ الإِمام يقول: الصوفي من لزم الصدق مع الحق، والخُلُق مع الخَلْق، ويُنشِد:
تنازع الناس في الصوفيّ واختلفوا قِدمًا، وظنُّوه مشتقًا من الصوفِ
ولست أنحَل هذا الاسم غير فتًى صافي فصوفي، حتى لقب الصوفيّ
وهذه عبارات متقاربة. والحاصل أنَّهم أهل اللَّهِ وخاصّتُهُ، الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويُستَننزَل الغيث بدعائهم؛ فرضي اللَّه عنهم وعنَّا بهم! وللقوم أوصاف وأخبار اشتملت عليها كتُبهم. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀: جعل اللَّه هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافَّة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات اللَّه عليهم وسلامه. جعل اللَّه قلوبهم معادِن أسراره، واختصَّهم من بين الأمَّة بطوالعِ أنواره، فهم الغِيَاث للخَلْق، والدّائرون في عموم أحوالهم مع الحقّ. ومن أوصاف هذه الطائفة الرأفة والرحمة والعفو، والصفح، وعدم المؤاخذة. وضابطهم ما ذكرناه. وطريقهم كما قال شيخ الطائفة أبو القاسم الجُنَيد ﵀: طريقنا هذا مضبوط بالكتاب والسنَّة. وقال: الطريق مسدود على خلق اللَّه تعالى، إلَّا على المقتفين آثار رسول اللَّه -ﷺ- ومن حقِّهم تربية المريد إذا لاحت عليه لوائح الخير، وإمداده بالخاطر والدعاء. يحكى عن بعض المشايخ أن تلميذه حضر إليه وهو جالس في جماعة، وقد ارتفعَ النهارِ، فتفرَّس الشيخ أنه كانَ في الليلة الذاهبة قد ارتكب معصية، فنظر إليه نظر مُغضب، ولم يمكنه الإفصاح له بمحضر من الجماعة؛ فنظر التلميذ إلى الشيخ نظرة منكَر فقام
[ ٩٤ ]
الشيخ، وجاء، وقبَّل يد التلميذ، ولم يفهم الجماعة شيئًا. فسئل الشيخ بعد ذلك؛ فقال: إنَّه البارحة وقع في الزنى، فنظرت إليه نظر مغضَب لذلك، فنظر إليَّ نظر عاتب، يقول: لو كان خاطرك معي، وإمدادك مصاحبي، لما وقع مني ذلك. فأنت المقصِّر. فقبلت يده لصدقه، فإن التقصير مني. ومن حقِّهم الوقوف في إظهار ما يُطلعهم اللَّه تعالى عليه من المغيَّبات، ويخصُّهم به من الكرامات، على الإذن؛ وهم لا يجيزون إظهارها بلا فائدة، ولا يظهرونها إلَّا عن إذن لفائدة، دينيّة: من تربية أو بشارة أو نِذارة؛ كما قال الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه لعائشة رضي اللَّه تعالى عنها -وقد كان نَحَلَها جادّ عشرين وَسْقًا من ماله بالغابة فحضرته الوفاة، وأرادَ استرجاع الهبة، وتطييب قلبها مع ذلك-: واللَّه يا بنيّة ما من الناس أحد أحبُّ إليَّ غنًى بعدي منكِ، ولا أعزُّ عليّ فقرًا بعدي منك، وإنِّي كنت نحلتك جادّ عشرين وسقًا، فلو كنت حُزتيه كان لكِ. وإنَّما هو اليوم مال وارثٍ، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسِموه على كتاب اللَّه تعالى. قالت عائشة: واللَّه يا أَبَت لو كان كذا وكذا لتركتُه؛ إنَّما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه: ذلك ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية. فكان كذلك. فلم يظهر أبو بكر ذلك إلَّا لاستطابة قلب عائشة رضي اللَّه تعالى عنها.
وأمَّا قصَّة سارية فإنَّ عمر رضي اللَّه تعالى عنه كان أمَّره على جيش، وجهَّزه إلى بلاد فارس، فاشتدَّ الحال على عسكره بباب نَهَاوَنْد، وكاد المسلمون ينهزمون، وعمر رضي اللَّه تعالى عنه بالمدينة؛ فصعِد المنبر، ثم استغاثَ في أثناء خطبته بأعلى صوته: يا سارية الجبل، يا ساريةُ الجبل، الحكاية. فأسمع اللَّه تعالى سارية وجنوده أجمعين -وهم بنهاوند- صوت عمر ﵁، وعرفوه، وقالوا: هذا صوت أمير المؤمنين، يأمرنا بالالتجاء إلى الجبل. فلجأوا إليه ونجوا.
سمعت الشيخ الإمام يقول: سئل عليّ كرَّم اللَّه وجهه وقد كان حاضرًا في المسجد، وعمر يخطب ويستغيث بهذا الصوت: ما هذا الذي يقوله أمير المؤمنين؟ فقال عليّ كرَّم اللَّه وجهه: دعوا أمير المؤمنين؛ فما دخل في أمر إلَّا وخرج منه. ثم تبيَّن الحال بالآخرة. فنقول: عمر هنا -واللَّه أعلم- لم يقصد
[ ٩٥ ]
إظهار الكرامة، وإنَّما ألجأته الضرورة -وقد كشف له حال القوم- إلى إنقاذهم، فناداهم، ولعلَّه غلب عليه الحال وغابَ عن حسِّه.
وأمَّا قصة الزلزلة -وهي أنَّ الأرض زلزلت في زمن عمر رضيَ اللَّه تعالى عنه، فضربها بالدِّرة، وقال: ويحك قِرِّي ألم أعدل عليك! وكانت ترتجف. فاستقرَّت من وقتها.
وقصة النيل، وكونه كان لا يجري حتى يلقى فيه جارية عذراء كل عام، فكتب نائب مصر عمرو بن العاص إلى عمر يخبره؛ فكتب عمر بطاقة إلى النيل، وأمرَ أن تُلقى في الماء، فيها: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر: أمَّا بعد فإن كنت تجري من قبَلك فلا تجر؛ وإن كان اللَّه الواحد القهَّار هو الذي يُجريك فاجر بإذن اللَّه الواحد القهَّار. فجرى جريانًا لم يعهد مثله، أخصبت له البلاد. وكرامات عمر رضيَ اللَّه تعالى عنه كثيرة. وهذه الأمور من تمكّنه في الأرض ظاهرًا وباطنًا، وكونه أمير المؤمنين على الحقيقة، وخليفة اللَّه تعالى في أرضه وساكني أرضه. وليس هذا الكتاب موضع استيعاب القول على ذلك. وإذا علمت أنّ خاصة الخلق هم الصوفيَّة، فاعلم أنهم قد تشبَّه بهم أقوام ليسوا منهم، فأوجب تشبُّه أولاء بهم سوء الظن. ولعلَّ ذلك من اللَّه تعالى قصدًا لخفاء هذه الطائفة، التي تؤثِر الخمول على الظهور.
واعلم أنَّ الصوفية أكثرهم لا يرضى بدخول الخوانق، ولا التعلُّق بشيء من أسباب الدنيا، ونحن نتذكَّر بهم ولا نذكّرهم. ولكنَّا نتكلَّم على ذوي الأسباب منهم؛ لأنَّهم لما خالطوا أهل الدنيا تطرق إليهم البحثُ على قدر مخالطتهم:
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها وإن تجتذبها نازعتكَ كلابها