نُوَّاب (١) السلطنة:
وعليهم مثل ما على السلطان، ويزدادون أن مِن حقهم مراجعته إذا أمرَ بما يخالف المصلحة، وازديادهم من تفقُّد حال الرعية صغيرهم وكبيرهم، جليلهم وحقيرهم، غنيهم وفقيرهم، والنظر في القرى والغَلَّات، ونحو ذلك، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها من ذوي النهضة والكفاية والحاجة، وتولية المناصب لأهليها. فإن اعتذر نائب السلطان بأن الزمان لا يمكنه، قلنا له ولغيره: أنتم مطالبون من كل ما نأمركم به بما تصل إليه قدرتكم؛ فعليكم الجد والاجتهاد واللَّه يعين.
من حقهم إقامة فقيه في كل قرية لا فقيهَ فيها، يعلِّم أهلها أمر دينهم. ومن العجيب أن أولياء الأمور يستخدمون في كل حصن طبيبًا ويستصحبونه في أسفارهم بمعلوم من بيت المال، ولا يتَّخذون فقيهًا يعلّمهم الدين؛ وما ذاك إلّا لأن أمر أبدانهم أهم عندهم من أمر أديانهم. نعوِذُ باللَّه من الخذلان. ومن حقِّهم إلقاءُ مقاليد الأحكام إلى الشرع لأنه لا حاكمَ إلَّا اللَّه تعالى، ولن تفعل العقول شيئًا. فإذا رأيت من يعيب على نائب السلطنة انقياده للشرع وينسبه بذلك إلى اللين والرخاوة فاعلم أنَّه يخشى عليه أن يكون ممَّن طبع على قلبه وأن عاقبته وخيمة، بل حقَّ على كل مسلم الرضا بحكم اللَّه تعالى والانقياد له، ومن لم يحكم بما أنزلَ اللَّه فأولئك هم الفاسقون الكافرون الظالمون. وسنبسط في فصل
_________________
(١) مفرد النواب نائب. ويريد به من يقوم عن السلطان في الحكم وفي تنفيذ أمره. وكان لسلطان المماليك نواب في الجهات النائية؛ فله نائب في الإِسكندرية، ونائب في الوجه البحري، ونائب في الوجه القبلي، ونائب في الشام. وكان بعض سلاطينهم يتخذون أحيانًا نائبًا في الحضرة أي في القاهرة يسمى النائب الكافل، وكان يضطلع بشؤون السلطنة حتى قيل: إنه سلطان مختصر.
[ ٢٤ ]
الحجاب القول في هذا؛ لكونه أمسّ بهم. ومن حقهم دفع أهل البِدَع والأهواء، وكفّ شرهم عن المسلمين. ولا يسعهم في دين اللَّه تعالى الصبر على من يسُب الشيخين أبا بَكر وعمر ﵄، ويقذف عائشة أم المؤمنين ﵂، ويفسد عقائد أهل الدين. بل يجب عليهم الغلظة على هؤلاء بحسب ما تقتضيه المذاهب. وهذه المذاهب الأربعة وللَّه الحمد في العقائد واحدة، إِلَّا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم. وإلَّا فجمهورها على الحق؛ يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقّاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول، ويدينون اللَّه برأي شيخ السنّة أبي الحسن الأشعريّ الذي لم يعارضه إلَّا مبتدع. ومن مهماتهم النظر في أمر المفسدين من قطّاع الطريق وأهل الفتَن كالعشران (١) وغيرهم، والغلظة والتشديد عليهم. وإن رأى نائب السلطان تقليد بعض المذاهب في شدة تعزيرهم (٢) والمبالغة في عقوبتهم على جرائمهم، وطول مكثهم في السجن فله ذلك بشرط أن يكون الحامل له علىِ ذلك المصلحة لا التشهّي وحظ النفس ومحبَّة شِيَاع الاسم بالانتقام؛ فإن ذلك فَنّ من الجنون. فقد كان مُلك الصحابة ﵃ أوسع، وأمرهم أنفذ، ولم يُحبوا أن يشيع اسمهم إلَّا بالعدل والرفق، لا بالعسف والظلم. ومنها سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى -ﷺ- أو يسبه؛ فإن ذلك مرتدٌّ كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ توبته لا تقبل. وهو اختيار طوائف من المتأخّرين. فإن كان الذي وقع منه هذا ممَّن يتكرر هذا الحال منه، أو عرف بسوء العقيدة وصحبة المشهورين بذلك، أو وقع منه ما وقع على وجه فظيع تشهد القرائن فيه بالخبث الباطن، فأرى أنَّه لا تقبل له
_________________
(١) جمع عشير، وكانت هذه الكلمة (العشران) تطلق في الشام على البدو الذين من دأبهم الغارة والنهب.
(٢) التعزير عند الفقهاء التأديب على فعل معصية لا حد لها ولا كفارة، كشهادة الزور، والضرب بغير حق، وقد يشرع التعزير لما ليس بمعصية مما ينبغي التحرز منه كالاشغال باللهو الذي لا معصية فيه كالضرب بالدف، وغناء الرجل في المجامع من غير آلة لهو محرمة. والتعزير يرجع فيه إلى تقدير القاضي، ويكون بنحو الحبس والضرب والتوبيخ بالكلام. وقد عقد له الفقهاء له بابًا بينوا فيه أحكامه وحدوده. والتعزير في أصل اللغة من العزر وهو المنع. ويأتي التعزير في اللغة أيضًا للتفخيم والتعظيم ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، كأنك إذ تفخم الرجل تمنع عنه الازدراء والاحتقار.
[ ٢٥ ]
توبة، ويسفك دمه، وهو رأي الشيخ الإِمام الوالد تغمده اللَّه تعالى برحمته. ومنها نظرهم في أمر دواداريتهم (١) فأكثر ما ينشأ فساد بابهم عنهم وهم غافلون. فإذا عرف نائب السلطنة أن ميزان بابه الدوادار، فحقَّ عليه الاحتياط في أمره، وعدم الإِصغاء إليه فيما يقوله، بل يستوضح الحال ويستكشفه من بطانة (٢) الحير عنده، فقد قال النَّبيّ -ﷺ-: "ما مِن ملِك أو أمير إلَّا وله بِطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه" (٣) وممَّا يختصُّ بالإِمام، وليس لنوابه الاستبداد به من غير استئذانه، الحِمَى (٤). فلا يحمي غير الإِمام الأعظم على الصحيح عند الوالد وكثيرين إلَّا بإذنه.
_________________
(١) هذا اللفظ مركَّب من كلمتين: عربية وهي (دوا) وهي الدواة بحذف التاء، وفارسية وهي (دار) ومعناه ممسك أو صاحب أو حافظ فمعنى دوادار ممسك الدواة أو صاحبها. وسترى أنَّ الكلمة الثانية تدخل في كثير من ألقاب السلطنة في عهد المؤلف. ووظيفة الدوادار الدوادارية، وموضوعها تبليغ الرسائل عن السلطان وإبلاغ عامة الأمور، وتقديم القصص (والعرائض) إليه، والمشاورة على من يحضر إلى الباب الشريف، وأخذ خط السلطان على عامة المناشير والتوقيعات. انظر صبح الأعشى ص ١٩ ج ٤.
(٢) بطانة الرجل صاحب سره، الذي يشاوره الرجل في أحواله.
(٣) هذا الحديث في صحيح البخاري في كتاب الأحكام، ولفظه فيه؛ ما بعثَ اللَّه من نبىّ ولا استخلف من خليفة إلَّا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصم اللَّه تعالى. وورد أيضًا في سنن النسائيّ في كتاب البيعة بعدة روايات، ومنها ما يوافق لفظ البخاري، ومنها: ما من والٍ إلَّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا، فمن وقي شرَّها فقد وقى. وكأنَّ المؤلف اعتمد في رواية الحديث على المعنى.
(٤) الحمى: موضع فيه كلأ يمنع من الناس أن يرعى. وقد كان القويّ في الجاهلية يتَّخذ لماشيته حمى لا يقربه غير ماشيته. روي أن الشريف منهم كان إذا نزل بلدًا استعوى كلبًا فحمى لخاصته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد، وجاء الإِسلام فأبطل هذا وفرض أنّ الحمى لا يكون إلَّا لمصلحة عامة المسلمين، وقد حمى عمر ﵁ النقيع لإبل الصدقة، واستعملَ عليها رجلًا أوصاه ألَّا يمنع المحتاج أن يرعى ماشيته فيه. قال الفقهاء: ليس للإِمام أن يدخل مواشيه فيما حماه للمسلمين لأنه قوي، وإنَّما الحمى للضعيف، وقد عرض الفقهاء لأحكام الحمى في باب إحياء الموات من الأرض.
[ ٢٦ ]