البريدية: وهم الذين يحملون رسائل الملك وكتبه. وكانت أئمة العدل لا تُبرد البُرُد إلَّا لمهم من مهمات الإِسلام، لمثله تساق الخيول، وتزعج النفوس، والآن أكثر ما تهلك خُيُولُ البريد للأغراض الدنيوية، من شراء المماليك وجلب الجواري والأمتعة. وإذا ركب الفقيه فرسًا أنكرَ عليه ذلك، وقيل: قد أخطأ السلطان أو نائبه في إركابه؛ فإنَّ البريد لا يُساق إلَّا لمهمات السلطنة. كأنَّهم يعنون بمهمات السلطنة ما اعتادوا به من شراء مملوك مليح، أو استدعاء مغنٍّ حسن الصوت؛ أو خراب بيت شخص أنهى عنه ما لا صحة له، إلى أمثال ذلك. وخفى عنهم أن أئمَّة العدل كانوا يستدعون العلماء من البلاد لأجل نفع المسلمين واشتهارِ الدين، وأنَّ ركوب البريد لهذا الغرض خيرٌ من ركوبه في أغراضهم الفاسدة. وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵁ يُبرد البريد للسلام على قبر سيدنا رسول اللَّه -ﷺ- فهل رأيت في زماننا ملكًا يفعل ذلك! ومن حقٍّ البريدي كتمان الأسرار، وسترِ العورات، وكفِّ لسانه عن الفضول فضلًا عن
_________________
(١) هذا اللفظ مركَّب من لفظين فارسيين: مهمن ومعناه الضيف، والثاني دار ومعناه ممسك وحافظ كما سلف.
[ ٣٢ ]
الكذب. فلقد كثر منهم الكذب ونقل البهتان لأجل حُطَام من الدنيا. ومن حقِّه حمل رسائل الإِخوان إليهم؛ ففي ذلك أجرٌ عظيم وشكرٌ لهذه النعمة. وحقٌ على كل بريدي ألَّا يجهد (١) الفرس بل يسوقها بقدر طاقتها. وقد كثر منهم سوق الخيول السَوْقَ المزعج بحيث تَهلك تحتهم. أفما علموا أنها من خلق اللَّه تعالى. فإذا رأيت بريديًا يسوقُ الخيل في أمر لا يجوز حتى يُهلكها، ثم يَقْدَم على أهل بلد فيزعجهم، ثم يعود للسلطان فيدلّ على عورات المسلمين ويُغري الظلمة بالمساكين، الغافلين والغافلات، ثم يزيل اللَّه سبحانه عنه النعمة، ويذيقه أنواع الذلّ والإِهانة فلا تعجب، واعلم أن ذلك من اللَّه عدل.