القاضي: وقد استوعبتْ كتب الفقه ما يتعيَّن له وعليه. وخصَّ جماعة من الأئمة كتاب القضاء بالتصنيف. ونرى أن نخصّ هذا المكان بالتنبيه على الهدية فنقول: قبول الهدايا من أقبح ما يرتكبه القضاة، فلنسد بابها بالكلية. وقد علم أن مذهب الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه أنَّه لا يجوز له أن يقبل الهدية ممَّن لم تكن له عادة أن يهاديه قبل ولايته القضاء، ولا ممَّن كانت له عادة ما دامت له حكومة. والمذاهب في المسألة معروفة. وأنا أعتقد أنَّه يحرم على القاضي قبول هدية من يُهدِي للقاضي في العرف ليستميل خاطره لقضاء أرَبه. وذلك يشمل كل من هو دون القاضي، ومن هو مثله ممَّن قد يحتاج إلى القاضي، وكثيرًا ممَّن هو فوقه. ويخرج بعض من هو فوق القاضي، كالملوك الذين يصل إلى القاضي إنعامهم، ولا يقصدون بذلك استمالة خاطره لقضاء حوائجهم عنده. فإن حوائجهم عنده إن كان ممَّن يراعيهم لا تحتاج إلى الهدايا؛ لما لهم من الجاه. وإلَّا فلا تفيد الهديَّة؛ فأقول: يحرم قبول هدية القسم الأول: كانت له عادة قبل القضاء أم لم تكن، كانت له حكومة أم لم تكن. ويجوز قبول هدية القسم الثاني بشرطين: أحدهما أن يجد القاضي من نفسه أن حاله لم يتغير في التصميم على الحق، وأنه قَبْل الهدية كهو بعدها. وهذا يتأتَّى في هدايا الملوك، ولا يتأتَّى في
[ ٤٨ ]
غيرهم. والثاني أن تجري عادة ذلك الملك بفعل هذا مع من هو في منصب هذا القاضي، وإنَّما خصَّصت فصل الهدية بباب القضاء، وإن كانت تشمل كل ولي أمر؛ لأنها من القاضي أقبح.
ومن محاسن الشيخ الإِمام رحمه اللَّه تعالى كتاب "فصل المقال، في هدايا العمال" اشتمل على فوائد نفيسة؛ فلينظره من شاء. ومِمَّا يتعيَّن على القاضي تفهيم الملك الحكم الشرعي فيما يُنهى إليه من الوقائع، ومناضلته عنده عنها، وإفهامه أن ذلك هو الدين الذي إن حاد عنه هلك، وإن اعتمده نجا، وأن ينظر في أمر الأوقاف والمستحقين، من المشتغلين والمحتاجين وغيرهم. وهذا يخص قاضي الشافعية في بلادنا والبلاد الشامية؛ لأنه كبير القضاة، وله النظر العام في الأوقاف وغيرها؛ فهو بذلك أمسّ. وممَّا هوَّنت بعض القضاة فيه الأمر الحكم بالصحة؛ فتراهم يقْدمون عليه بمجرد ثبوت العقد والملك والحيازة. وكان الشيخ الإِمام ﵀ يشدِّد النكير في ذلك، ويذكِّر للصحة المطلقة عنده اثنين وعشرين شرطًا: كون المبيع -مثلًا- طاهرًا، منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، مملوكًا للعاقد أو لمن يقع العقد له، مرئيًا رؤية لا تتقدَّم على العقد بزمان يمكن التغيرِ فيه، معلومًا. وكل واحد من البائع والمشتري كونه بالغًا، عاقلًا، رشيدًا، مختارًا، غير محجور عليه في تلك السِّلْعة المبيعة، وكون الثمن المعيَّن مستجمعًا شروط المبيع. وأمَّا الذي في الذمّة فالعلم بقدره، ووصفه، وكون العقد بإيجاب وقبول لا يطول الفصل بينهما، ولا يقترن به شرط مفسد، وأن ينقضي الخيار والحال على ذلك. والدعوى، والإِنكار، وقيام البينة بما ليس بظاهر جوده من هذه الأشياء، وسؤال الحكم وحضور المحكوم عليه أو وكيله أو المنصوب عنه. قال فهذه عشرون شرطًا. قال: والإِعدار (١) مختلف فيه.
_________________
(١) الإعدار أن يبعث القاضي إلى المدعى عليه الذي لم يحضر مجلس القاضي رسولًا ينادي على بابه ثلاث مرات في اليوم: يا فلان، احضر مجلس الحكم وإلَّا نصب عنك وكيلًا وقبلت البينة عليك، ويكرر هذا ثلاثة أيام. وقد استغنى عن الإعدار في هذه الأيام بإعلان المدَّعى عليه بالحضور ثلاث مرات في ثلاثة أيام بالطريقة العادية على يد أحد المحضرين.
[ ٤٩ ]
ووصيتي لكل قاضٍ ألا يحكم إلَّا به، ولا يحكم بعلمه، بل بالبينة، وفي اشتراط العلم بالملك الخلاف المعروف فيما لو باعَ مال أبيه عن ظن حياته فبانَ ميتًا؛ فإن شرطناه فهي اثنان وعشرون شرطًا للصحة المطلقة. قال: وأمَّا الصحة بالنسبة إلى المتداعيين في شيء يتداعيانه؛ كما إذا ادَّعى أحدهما أنَّه غير مرئيّ، وبيان الحاكم لا يرى اشتراط الرؤية، فيحكم عليه بالصحة مع عدم الرؤية؛ لأنه مذهبه ولم يحصل النزاع إلَّا فيه فهذا حكم بصحة مقيدة لا بصحة مطلقة. فلا يمنع حاكمًا آخر من الحكم بفساده من جهة أخرى. وأطالَ الشيخ الإِمام الكلام في الصحة المطلقة فيما عدده من الشروط في كتابه المسمَّى "وقت الصبحة في الحكم بالصحة" وهو كتاب لم يتممه. ومن كلام الشيخ الإِمام ﵀ في وصية أخرى للقضاة قال فيها بعد أن ساق حديث: (القضاة ثلاثة: واحد في الجنّة؛ واثنان في النار؛ قاض قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة، وقاضٍ قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير الحق فهو في النار). ما نصُّه -ونقلته من خطه-: تنبَّه أيُّها القاضي لما أنت فيه من الأخطار، وطب نفسًا إذا حكمت بحق تعلم للَّه تعالى، وإلَّا فلا، واعلم أنَّ الحلال بين، وهو الذي تجده منصوصًا عليه في كتاب اللَّه تعالى وسنَّة نبيّه -ﷺ-، أو مجمعًا عليه، أو عليه دليل جيِّدٌ غير ذلك من سائر الأدلة الراجعة إلى الكتاب والسنَّة، بحيث ينشرح صدرك لأنه حكم اللَّه تعالى. فهذا حكمك به عبادة تثاب عليه؛ وينبغي لك أن تقصد به وجه اللَّه تعالى، فلا يكون حكمك به لمخلوق، ولا لغرض من أغراض الدنيا. فبذلك تكمل العبادة فيه، وتنال الأجر من خالقك. وإن حكمت به لغرض من أغراض الدنيا صحَّ الحكم، ولكن لا يكون لك فيه أجر. وما سوى هذا فهو على درجات: إحداها أن تحكم بذلك من غير قصد القُرْبة، ولا غرض من الأغراض الدنيوية، فهذا خير من القِسْم الثاني الذي قبله، الذي قصد به غرض دنيوي، ولكنَّه يظهر أيضًا أنَّه لا أجر فيه؛ لعدم قصد القُرْبة. واعلم أنَّا لا نشترط وجود قصد القربة عند الحكم؛ بل نكتفي به في أصل ولاية القضاء، لأنه قد يشُقّ استحضاره في كل حكم، فنكتفي به عند الدخول في أوّله، كما اكتفى بنية المجاهد في أول خروجه. الرتبة الثالثة أن يكون الحكم مختلفًا فيه، وحصل ما يجوز الإِقدام على، الحكم به من الأدلّة الشرعية مع احتمال يمنع من انشراح الصدر له الانشراح الكلّي، فهذا جائز، والأجر فيه دون القسم المجمع عليه؛
[ ٥٠ ]
لأنَّ المصلحة في المجمع عليه أتمّ، فالعبادة فيه أكمل، وإن كان لا تقصير في هذا. الرتبة الرابعة: أن تحصل شبهة تمنع من غلبة الظن بأنَّ ذلك حكم اللَّه تعالى، فلا يحل الحكم. الرتبة الخامسة: أن يعتقد أنه خلاف حكم اللَّه تعالى، فلا يحل الحكم. وإن كان بعض العلماء قال به. الرتبة السادسة: أن يكون مجمعًا على أنه ليس بحكم للَّه تعالى، فلا يحلّ الحكم. وهذه المراتب الثلاث عدم الحِلّ فيها مرتب ترتيبًا لا يخفى. واعلم أنَّ المرتبة الخامسة والسادسة ما أظن أحدًا يُقدِم عليهما إن شاء اللَّه تعالى، والمرتبة الرابعة قد تكون عند قيام الشكّ ومخالجة الاحتمال. قد تسوّل لك نفسُك أو الشيطان أو أحد من الناس الإقدام على الحكم لغرض من الأغراض، ويسلّ عليك لأنَّك لم تجزم بالتحريم، فإِيَّاك أن تقدم على الحكم، فتدخل في قوله: وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم فإذا كان الذي قضى بالحق وهو لا يعلم في النار فالذي قضى وهو لا يعلم والمقضى به متردّد بين الحق والباطل كيف يكون حاله؟ وفي هذه المرتبة تجد كثيرًا من إخوان السوء يسوَّلون لك الحكم، فإيَّاك ثم إيَّاك، واستحضر بقلبك غدًا يوم القيامة إذا انتصبَ الجبّار لفصل القضاء، وجيء بالنَّبيين والشهداء، وجيء بك يا مسكين، وأنت كالقمحة، بل كالذرة بين أرجل الناس بل أقلُّ من ذلك، وفي ذلك الموقف رسول اللَّه -ﷺ-، الذي أنت نائبه، وقد بلَّغك شريعته، وجبريل الذي نزل بها عليه، ورسل اللَّه تعالى وأنبياؤه وملائكته والصدِّيقون والشهداء كالسُرُج المضيئة في ذلك المشهد بين يدي اللَّه تعالى، وسألكَ اللَّه تعالى بغير واسطة بينك وبينه: لم حكمت في هذا الأمر؟ ومن بلَّغك عني هذا؟ ونظرت يمينًا وشِمالًا فلم تجد هنالك سلطانًا ولا أميرًا ولا كبيرًا ممَّن سوَّل لك ذلك الحكم، ورأيت نفسك غريبًا حقيرًا وحيدًا، ونظرتُ إلى النَّبيّ -ﷺ- وهو المقدَّم في ذلك المشهد العظيم الذي ترجو شفاعته، وقد حكمت بغير شريعته، كيف يبقى وجهك معه؟! أو كيف يبقى حالك عنده؟! وسائر الأنبياء والرسل والملائكة وأهل ذلك الموقف من الصالحين ينظرون إليك واللَّه تعالى ينظرك هل ينفعك ذلك الوقت أحد من أهل الدنيا أو مال أو جاه أو غير ذلك؟ كلا واللَّه لا ينفع فانظر يا مسكين هذا الموقف، فما علمت أنه بنجيك لا تستحى بسببه فيه، فافعله؛ وما سوى ذلك كن منه على حذر، ولو طلبه منك أكبر ملوك
[ ٥١ ]
الأرض بملئها ذهبًا. وإن قيلَ لك: قد يكون توقفك تركًا للحكم الواجب، فقل: إنَّما يكون واجبًا إذا ظهر، وعند الشك لا، وإذا دارَ الأمر بين الترك مع الشك والإقدام مع الشك، كان الترك أسهل، لأنه أخفّ وأقلّ جرأة فهذا الذي تيسَّر ذكره ممَّا أوصيتك به أيُّها القاضي.