وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ وَاصْطِلَاحِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَفِيهِ فُصُولٌ.
الْأَوَّلُ: فِي تَقْرِيرَاتِ الْحُكَّامِ عَلَى الْوَقَائِعِ وَمَا هُوَ حُكْمٌ وَمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ.
الثَّانِي: فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الَّتِي هِيَ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ نَقْضُهَا، وَاَلَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ وَيَجُوزُ نَقْضُهَا.
الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ وَمَا لَا تَفْتَقِرُ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَبَيَانِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَضَمُّنًا.
الرَّابِعُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ الْحُكَّامِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَبَيَانُ أَحْكَامِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
الْخَامِسُ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ.
السَّادِسُ: فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْقَاضِي حُكْمَ نَفْسِهِ وَمَعْنَى تَنْفِيذِهِ حُكْمَ غَيْرِهِ.
السَّابِعُ: فِي بَيَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الْحُكْمِ الثَّانِي: فِي تَنْبِيهَاتٍ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ التَّنَبُّهُ لَهَا فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَمَا يَمْتَنِعُ الْإِشْهَادُ بِهِ.
[الْأَوَّلُ: فِي تَقْرِيرَاتِ الْحَاكِمِ مَا رُفِعَ إلَيْهِ] اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يَلْزَمُ تَقْرِيرَ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ حُكِمَ بِالْوَاقِعِ فِيهَا أَمْ لَا؟، كَمَا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ: امْرَأَةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى حَنَفِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِهِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فَلَا يَتَعَرَّضُهُ قَاضٍ آخَرُ.
وَقَالَ أُنَاسٌ خَارِجَ الْمَذْهَبِ: لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رُفِعَ لَهُ فَقَالَ لَا أُجِيزُ
[ ٣٦ ]
النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ، فَهَذَا فَتْوَى، وَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِمَا يَرَاهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ: لَا أُجِيزُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَهُوَ فَتْوَى اتِّفَاقًا.
(فَرْعٌ):
وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ عَلَى الْمِلْكِ أَوْ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ فَأَقَرَّ النِّكَاحَ عَلَى حَالِهِ أَوْ أَقَرَّ الْمَمْلُوكَ رَقِيقًا ثُمَّ رُفِعَ إلَى غَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى الْقَتْلِ فَرُفِعَ لِمَنْ لَا يَرَى الْقَسَامَةَ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا فَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْأَوَّلِ عَنْ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ.
(فَرْعٌ):
فَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ: لَا أَسْمَعُ بَيِّنَتَك؛ لِأَنَّك حَلَفْت قَبْلَهَا مَعَ قُدْرَتِك عَلَى إحْضَارِهَا، أَوْ قَالَ: لَا أَرَى الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ: لَا أَحْكُمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، أَوْ لَا أُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ وَمَذْهَبِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَرَكَهُ، وَمِمَّا نَحْنُ فِيهِ قَوْلُهُ: لَا أَدْرِي لَك حَقًّا فِي هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَطَلَبِ الْحُكْمِ " سَلِّمْ الْمَحْدُودَ إلَى الْمُدَّعِي " لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ حُكْمٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ إلْزَامٌ وَحُكْمٌ.
وَنَصَّ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي لَيْسَ بِحُكْمٍ إذْ قَالَ فِيهَا قَوْلَهُ " ده " لَيْسَ بِحُكْمٍ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: حُكْمُ كردم، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى فَقِيرٍ وَاحْتَاجَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ فَأَعْطَاهُ الْقَاضِي شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَضَاءً مِنْ الْقَاضِي، لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَتْوَى، حَتَّى لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ جَمِيعَ الْغَلَّةِ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: حَكَمْت بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي غَيْرَ قَرَابَتِهِ نَفَذَ حُكْمُهُ، إذْ فِعْلُ الْقَاضِي لَيْسَ بِحُكْمٍ، " مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ".