فِي ذِكْرِ الْيَمِينِ وَصِفَتِهَا، وَالتَّغْلِيظِ فِيهَا، وَفِيمَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَمَنْ لَا تَتَوَجَّهُ، وَمَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ، وَحُكْمِ النُّكُولِ، وَبَيَانِ حُكْمِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ. وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَالْقَاضِي يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ وَلَا يُحَلِّفُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ - ﵊ - «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» وَقَوْلِهِ - ﵊ - «مَلْعُونٌ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَحَلَّفَ بِهِ» وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ؛ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَكَانَ التَّغْلِيظُ فِي الْيَمِينِ أَبْلَغَ وَأَكْمَلَ فِي الزَّجْرِ مِنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ لَمْ يَتَّهِمْهُ الْقَاضِي اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ يُغَلِّظُ فِي يَمِينِهِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْمِنْبَرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ):
وَيَحْلِفُ النَّصْرَانِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى - ﵇ -، وَالْيَهُودِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ
[ ٦٥ ]
التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى - ﵇ -، وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ وَالتَّوْرَاةَ هُوَ اللَّهُ، وَالْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ النَّارِ فَيُغَلِّظُ فِي يَمِينِهِ بِمَا يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ وَهُوَ النَّارُ كَمَا فِي النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ.
وَعِنْدَهُمَا يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ تَغْلِيظَ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنَّ فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَرَدَ نَصٌّ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ صُورِيَا «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى» . وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي التَّغْلِيظِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لَيْسَ لِلنَّارِ لَا يَكُونُ وَارِدًا فِي النَّارِ دَلَالَةً.
وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ، وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْوَثَنَ وَالصَّنَمَ؛ لِأَنَّ فِي تَغْلِيظِ الْيَمِينِ بِالصَّنَمِ تَعْظِيمًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ أُمِرْنَا بِإِهَانَتِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ اتَّخَذَهُ إلَهًا وَلَمْ يُؤْمَرْ بِإِهَانَةِ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهَا أَحَدٌ إلَهًا، وَلِهَذَا جَوَّزَ مُحَمَّدٌ التَّغْلِيظَ بِذِكْرِ النَّارِ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ بِذِكْرِ الصَّنَمِ.
(فَرْعٌ):
وَاسْتِحْلَافُ الْأَخْرَسِ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ إنْ كَانَ لِهَذَا هَذَا الْحَقُّ، وَيُشِيرُ الْأَخْرَسُ أَيْ نَعَمْ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْكَ أَلْفٌ فَيُشِيرُ الْأَخْرَسُ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ مِنْ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْعِبَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا فِي حَقِّ الْحَلِفِ.
وَالْقَاضِي لَوْ اسْتَحْلَفَ النَّاطِقَ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: نَعَمْ. لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ أَحْلِفُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حَلِفًا، فَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ.
وَلَوْ قَالَ عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إنْ كَانَ لِهَذَا عَلَيَّ كَذَا.