(فَصْلٌ):
قَالَ فِي فَتَاوَى صَاعِدٍ: حَدُّ الْعَدَالَةِ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا عُقَلَاءَ بَالِغِينَ غَيْرَ مُرْتَكِبِينَ كَبِيرَةً وَلَا مُصِرِّينَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ كَذِبٌ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَالَ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا يَتَعَلَّقُ الْحَدُّ أَوْ الزَّجْرُ بِهِ.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ: شَرْطُ الْعَدَالَةِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْأُمُورَ الْمُسْتَشْنَعَةَ وَفِيهِ يَقَظَةٌ، وَلَا يَكُونُ
[ ٧٠ ]
سَاهِيَ الْقَلْبِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا: وَالْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَحُثُّ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَالتَّحَاشِي عَنْ الرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِهَا الِاعْتِدَالُ فِي الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْأَمَانَةِ عَفِيفًا عَنْ الْمَحَارِمِ مُتَوَقِّيًا عَنْ الْمَآثِمِ بَعِيدًا مِنْ الرَّيْبِ مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ.
الثَّانِي: فِي مَوَانِعِ الْقَبُولِ.
مَانِعٌ مُطْلَقًا وَمَانِعٌ عَلَى جِهَةٍ: يَعْنِي أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهُ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ، فَمِنْهُ كُلُّ وَصْفٍ أَوْ فِعْلٍ مُنَافٍ لِلْعَدَالَةِ أَوْ لِلْمُرُوءَةِ أَوْ لَهُمَا، كَتَعَاطِي فِعْلِ الْفَاحِشَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً، وَمِنْهُ أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ الْقَضَاءِ بِالنُّجُومِ، فَإِذَا ادَّعَاهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَأَكَلَ الْمَالَ بِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّ الْمُنَجِّمَ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ ﷿ مُقِرًّا بِأَنَّ النُّجُومَ وَاخْتِلَافَهَا فِي الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَّ اللَّهَ ﷿ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا أَدِلَّةً عَلَى مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ ﷿، فَحُكْمُ هَذَا أَنْ يُزْجَرَ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَيُؤَدَّبَ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَكُفَّ عَنْهُ وَيَرْجِعَ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَيَتُوبَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ يُجْرَحُ بِهَا فَتَسْقُطُ إمَامَتُهُ وَشَهَادَتُهُ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ تَصْدِيقُهُ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.
وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْهَاجِي؛ لِأَنَّ الْهَجْوَ سُخْفٌ وَمَجَانَةٌ.
وَمِنْهُ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَهُوَ فِي الْمِصْرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَجَانَةً، وَإِنْ تَرَكَهَا مُتَأَوِّلًا بِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ دِينًا فَلَا تَنْخَرِمُ عَدَالَتُهُ. وَمِنْهُ عَصْرُ الْخَمْرِ وَبَيْعُهَا وَكِرَاءُ دَارِهِ مِمَّنْ يَبِيعُهَا. وَمِنْهُ مَنْ لَا يُحْكِمُ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ. وَمِنْهُ مَنْ سَافَرَ وَاحْتَاجَ إلَى التَّيَمُّمِ فَلَمْ يُحْسِنْهُ.
وَمِنْهُ مَنْ تَرَكَ مَا اُسْتُفِيدَ وُجُوبُهُ بِالْأَمْرِ الْمُطْلَقِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ قَضِيَّةَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَنْ الْوَقْتِ الْوُجُوبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَتُقْبَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي. مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
وَمِنْهُ اللَّاعِبُ بِالطُّنْبُورِ وَمَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ وَيُطَيِّرُهُنَّ، وَقِيلَ مَنْ يَبِيعُ الْحَمَامَ وَلَا يُطَيِّرُهُنَّ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ تَطْيِيرَهُ لَا يَخْلُو عَنْ مُطَالَعَةِ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ.
وَمِنْهُ مَنْ اعْتَادَ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِلَا مِئْزَرٍ؛ لِأَنَّهُ كَشْفٌ لِلْعَوْرَةِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالنَّائِحَةِ وَالْقَوَّالِ وَالرَّقَّاصِ وَمَنْ يَخْرِقُ ثَوْبَهُ فِي مَجْلِسِ السَّمَاعِ. وَقِيلَ لَا يُفَسَّقُ بِالْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ لَعِبٍ. وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْأَقْلَفِ إذَا تَرَكَ الْخِتَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَمِنْهُ مَنْ أَكَلَ فِي السُّوقِ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَمِنْهُ مَنْ مَشَى فِي السُّوقِ فِي سَرَاوِيلَ لَا قَمِيصَ مَعَهُ وَمِنْهُ مَنْ يَبُولُ عَلَى الطَّرِيقِ.
وَمِنْهُ مَنْ يُصَارِعُ الْأَحْدَاثَ فِي الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُسْتَشْنَعَةٌ: وَعَنْ سَدَّادٍ لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ مَنْ حَاسَبَ أُمَّهُ فِي النَّفَقَةِ.
وَمِنْهُ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَإِنْ فَرَّ الْإِمَامُ مِنْ الزَّحْفِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الْمِثْلَيْنِ وَمِنْهُ جَهْلُ الرَّجُلِ أَحْكَامَ قَصْرِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَرِ.
وَمِنْهُ قَبُولُ جَوَائِزِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَكَذَا إدْمَانُ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ، بِخِلَافِ الْفَلْتَةِ وَبِخِلَافِ قَبُولِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرْضَى، وَقَدْ قَبِلَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلُ الْفَضْلِ.
وَمِنْهُ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ أَنْ يَبْغُضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا وَمِنْهُ النَّمِيمَةُ. وَمِنْهُ الْخِيَانَةُ وَالرِّشْوَةُ.
وَمِنْهُ شَهَادَةُ بَائِعِ الْأَكْفَانِ لَا تُقْبَلُ، قِيلَ هَذَا إذَا تَرَصَّدَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَالطَّاعُونَ، أَمَّا إذَا كَانَ يَبِيعُ الثِّيَابَ هَكَذَا وَيُشْتَرَى مِنْهُ لِلْكَفَنِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. مِنْ الْمُحِيطِ.
وَمِنْهُ سُكُوتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ عِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ يَرَاهُمَا يُمْلَكَانِ، وَطَلَاقِ امْرَأَةٍ يَرَى زَوْجَهَا مُقِيمًا مَعَهَا وَلَا يَقُومُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ، وَقُدِّرَ سُكُوتُهُ فِي الْحُرْمَةِ الْمُغَلَّظَةِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ.
وَقَدْ حُكِيَ فِيهَا عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَشَرَفِ الْأَئِمَّةِ الْمَكِّيِّ:
[ ٧١ ]
وَرُكْنُ الضَّيَاعِ: لَوْ شَهِدُوا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ لَا تُقْبَلُ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِعَيْشِهِمْ عَيْشَ الْأَزْوَاجِ، وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهُمْ لِعُذْرٍ تُقْبَلُ.
وَمِنْهُ مَا حَكَاهُ عَنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: مَاتَ عَنْ امْرَأَةٍ وَوَرَثَةٍ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ كَانَ أَقَرَّ بِحُرْمَتِهَا حَالَ صِحَّتِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ حَالَ حَيَاتِهِ، لَا تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ وَسُكُوتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقُوا وَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ مَوَانِعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَا يُمْنَعُ عَلَى جِهَةٍ وَهُوَ رَدُّ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ، وَلَهُ أَسْبَابٌ:
الْأَوَّلُ: التَّغَفُّلُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّغَفُّلَ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَبَرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفًا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَأَنْ يُلْبَسَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا مَضَرَّةً، وَأَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ جَرَّتْ مَغْنَمًا أَوْ دَفَعَتْ مَغْرَمًا لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا تَمَكَّنَتْ فِيهَا تُهْمَةُ الْكَذِبِ، وَشَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ لِقَوْلِهِ - ﵊ - «لَا شَهَادَةَ لِمُتَّهَمٍ» مِثَالُ الْجَرِّ: شَهَادَةُ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْآجِرِ بِالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِلْمُعِيرِ بِالْمُسْتَعَارِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا؛ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَعْنَى الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ لِأُسْتَاذِهِ وَالْأُسْتَاذِ لِأَجِيرِهِ.
وَمِثَالُ الدَّفْعِ: شَاةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: اذْبَحْهَا. فَذَبَحَهَا، فَأَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ أَحَدَهُمَا الذَّابِحُ أَنَّ ذَا الْيَدِ غَصَبَهَا مِنْهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذَّابِحِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا؛ لِأَنَّ الذَّابِحَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِكَوْنِ الْآمِرِ غَاصِبًا وَقْتَ الذَّبْحِ فَمَتَى اخْتَارَ الْمَشْهُودُ لَهُ تَضْمِينَ الذَّابِحِ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْآمِرِ مَتَى جَازَتْ شَهَادَتُهُ فَيَكُونُ دَافِعًا مَغْرَمًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِكَوْنِ الْآمِرِ غَاصِبًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ لَكِنَّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ خِيَارَ التَّضْمِينِ يُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَفِي التَّخْيِيرِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ لِلذَّابِحِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَخْتَارُ الْمَشْهُودُ لَهُ تَضْمِينَهُ فَكَانَ دَافِعًا مَغْرَمًا مَعْنًى، مِنْ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ):
ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَتَلُوا رَجُلًا عَمْدًا، فَشَهِدَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ عَلَى الْوَلِيِّ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَهُوَ سُقُوطُ الْقِصَاصِ عَنْهُمَا وَانْقِلَابُهُ مَالًا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْ أَحَدِهِمَا مِنْ الْمُنْتَقَى.
(مَسْأَلَةٌ):
رَجُلٌ لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ نَفَرٍ مَالٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفِيلًا لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَدْ أَبْرَأَهُمَا مِنْ الْمَالِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ جَائِزٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ بَاطِلٌ.
(مَسْأَلَةٌ):
شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّكُمْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ جَائِزٌ. أَوْ قَالَ أَمْرُهَا فِي أَيْدِيكُمْ فَأَيُّكُمْ طَلَّقَهَا فَهُوَ جَائِزٌ. وَالزَّوْجُ لَمْ يَجْحَدْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْوَكَالَةِ، فَإِذَا اشْتَرَكُوا فِي الْوَكَالَةِ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ):
ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَبِالتَّرِكَةِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِدَيْنِهِ، ثُمَّ شَهِدَ الْمُقْضَى لَهُ بِالدَّيْنِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ كَانَ لِأَبِيهِمْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَهُوَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهَذَا الْمَالِ. الْكُلُّ مِنْ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ):
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ أَرْبَعَ بَنِينَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاقْتَسَمُوهَا، ثُمَّ جَاءَتْ جَدَّةُ الْمَيِّتِ مَعْرُوفَةً تَطْلُبُ حَقَّهَا فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّ التَّرِكَةَ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ التَّرِكَةَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَشَهَادَةُ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْأَلْفِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا الزِّيَادَةَ الَّتِي حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمَا بِشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ تُهْمَةً فِي دَفْعِ الْمُشَارَكَةِ.
[ ٧٢ ]
فَرْعٌ):
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتُ ابْنُ الشَّاهِدِ جَازَ وَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْحَيِّ عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلْحَيِّ نِصْفُهُ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَا الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ.
احْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَوْتَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا فَقَدْ قَصَدَ بِأَنْ يُوصَى لِلْحَيِّ بِنِصْفِ الثُّلُثِ فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ جَمِيعِهِ لِلْحَيِّ وَالْمُوصِي لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ لِلْمَيِّتِ كَجَوَازِهِ لِلْحَيِّ، فَحَصَلَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِلشَّرِكَةِ فَإِذَا لَمْ تَجُزْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لَمْ تَجُزْ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْوَصِيَّةَ مُوجَبَةٌ لِلْحَيِّ، وَالْمَيِّتُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ، وَالْمَيِّتُ لَا تَثْبُتُ بِهِ مُزَاحَمَةٌ فَوَجَبَ إسْقَاطُ حُكْمِهِ فَبَقِيَ الْحَيُّ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ):
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ بَيْنَهُمَا مُنْتَفِيَةٌ لِظُهُورِ التَّحَاسُدِ وَلِعَدَمِ اتِّصَالِ مَنَافِعِ الْأَمْلَاكِ بَيْنَهُمَا، وَتُقْبَلُ لِوَلَدِ الرَّضَاعِ وَلِأُمِّ الْمَرْأَةِ وَأَبِيهَا أَوْ لِوَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا اتِّصَالُ مَنَافِعِ الْأَمْلَاكِ، وَالْقَرَائِنُ الْحَامِلَةُ عَلَى الْمَيْلِ وَالْكَذِبِ.
وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدِينِهِ إذَا كَانَ مُفْلِسًا.
وَنَقَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ وَالِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدِينِهِ وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا.
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْعَتَّابِيِّ: رَبُّ الدَّيْنِ إذَا شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَالٍ لَا تُقْبَلُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالتَّرِكَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ أَوْ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَزْدَادُ بِهِ مَحِلُّ وَصِيَّتِهِ أَوْ سَلَامَةُ عَيْنِهِ.
(فَرْعٌ):
وَشَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ جَائِزَةٌ، وَإِنَّمَا تُمْنَعُ إذَا كَانَتْ الصَّدَاقَةُ مُتَنَاهِيَةً حَيْثُ تُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَوْطَةِ يَدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَتُسَلَّمُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَنَاهِيَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ إطْلَاقَ التَّصَرُّفِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبِهِ. مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ.
وَتُقْبَلُ لَهُ، وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ الْعَدَاوَةُ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الدِّينِيَّةِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى إفْرَاطِ الْأَذَى مِنْ الْفَاسِقِ الْمُعَادَى لِفِسْقِهِ لِمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ وَهَجَرَهُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا وَرَّثَ الشَّحْنَاءَ.
السَّبَبُ الرَّابِعُ: الْحِرْصُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا أَوْ قَبُولِهَا.
أَمَّا التَّحَمُّلُ فَهِيَ شَهَادَةُ الِاسْتِغْفَالِ، وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْأَدَاءِ فَمِثْلُ أَنْ يَبْدَأَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ طَلَبِ صَاحِبِهَا وَهُوَ حَاضِرٌ وَالْحَقُّ مَالِيٌّ
فَفِي الْقِنْيَةِ عَنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ تُقْبَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ: لَا تُقْبَلُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهَا بِهَا إنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِهَا وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ فَلَا تَقْدَحُ الْمُبَادَرَةُ.
وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إذَا أَدَّاهَا، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ دَلِيلُ التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى نُفُوذِهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْذَرَ، وَإِمَّا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعَصُّبِ.
وَكَذَا لَوْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِافْتِقَارِهِ إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِصِحَّةِ مَا خَاصَمَ فِيهِ، هَذَا إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ. مِنْ الْوَاقِعَاتِ، هَذَا إذَا كَانَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ.