الْفَصْلُ الثَّامِنُ ﴿فِي التَّحْكِيمِ﴾
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَارْتَضَيَاهُ لَأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
[ ٢٤ ]
وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلِأَنَّا مَتَى لَمْ نُجِزْ التَّحْكِيمَ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْحُضُورُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَجَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ لِلْحَاجَةِ.
(فَصْلٌ):
فِيمَنْ يَصْلُحُ حَكَمًا وَمَنْ لَا يَصْلُحُ حَكَمًا وَكُلُّ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي أَمْرٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ حَكَمًا فِيهِ وَمَنْ لَا فَلَا، وَالْمَرْأَةُ تَصْلُحُ حَكَمًا، وَالصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالْأَعْمَى لَا يَصْلُحُ حَكَمًا؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ فِي حَقِّ الْمُحَكَّمَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، وَكُلُّ مَنْ صَلَحَ شَاهِدًا صَلَحَ قَاضِيًا وَمَنْ لَا فَلَا ثُمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ فِي حَالَتَيْنِ: حَالَةِ التَّحْكِيمِ، وَوَقْتِ الْحُكْمِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَقْتَ التَّحْكِيمِ ثُمَّ صَارَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَقْتَ الْحُكْمِ لَا يَصِيرُ حَكَمًا بِأَنْ حَكَّمَا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ صَبِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أُعْتِقَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ثُمَّ حُكِّمَ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إذَا كَانَ شَاهِدًا وَقْتَ التَّحْكِيمِ وَلَمْ يَبْقَ شَاهِدًا وَقْتَ الْحُكْمِ لَا يَبْقَى حَكَمًا؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ فِي حَقِّهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، وَفِي الْقَاضِي يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَكَذَا هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ):
وَلَا يَصِحُّ التَّحْكِيمُ مُعَلَّقًا بِالْخَطْبِ وَلَا مُضَافًا إلَى الْمُسْتَقْبَلِ، بِأَنْ قَالَ لِعَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إنْ عَتَقْت أَوْ أَسْلَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَنَا، أَوْ قَالَ لِآخَرَ: إذَا أَهَلَّ الْهِلَالُ فَاحْكُمْ. لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ.