(فَصْلٌ):
التَّزْكِيَةُ نَوْعَانِ: تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ.
أَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ فَيَنْبَغِي
[ ٨٥ ]
لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ النَّاسِ وَأَوْرَعُهُمْ دِيَانَةً وَأَعْظَمُهُمْ دِرَايَةً وَأَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً وَأَعْلَمُهُمْ بِالتَّمْيِيزِ فِطْنَةً فَيُوَلِّيهِ الْمَسْأَلَةَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ الْعَدَالَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَالَغَةُ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ ثُمَّ يَكْتُبُ فِي رُقْعَةٍ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ جُمْلَةً بِأَنْسَابِهِمْ وَحِلَّاهُمْ وَقَبَائِلِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ وَمُصَلَّاهُمْ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ فِيهِ الشُّبْهَةُ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَتَّفِقَ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ رَجُلَانِ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ، وَيُنَفِّذُ تِلْكَ الرُّقْعَةَ عَلَى يَدٍ أَمِينَةٍ إلَى ذَلِكَ الْمُزَكَّى، وَلَا يُطْلِعُ أَحَدًا عَلَى مَا فِي يَدِ أَمِينِهِ حَتَّى لَا يَعْلَمَ فَيَخْدَعَ.
وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَمْسِينَ فَرْسَخًا مِنْ بَلَدِ الْقَاضِي فَيَبْعَثُ أَمِينًا يُجْعَلُ لِيَسْأَلَ الْعُدُولَ عَنْ الشَّاهِدِ وَالْجَعْلُ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ عَامِلٌ لَهُ أَلَا يَرَى أَنَّ الصَّحِيفَةَ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا قَضِيَّتَهُمَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْظُرُ الْمُزَكَّى فِي ذَلِكَ وَيَتَعَرَّفُ أَحْوَالَ الشُّهُودِ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهُمْ فَيَسْأَلُ عَنْهُمْ أَهْلَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ مِنْ جِيرَانِهِمْ وَأَهْلِ مَحَلَّاتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جِيرَانِهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ يَسْأَلُ مِنْ أَهْلِ أَسْوَاقِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِحَالِهِمْ، فَإِذَا قَالَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ: هُوَ عَدْلٌ عِنْدِي جَائِزُ الشَّهَادَةِ. كَتَبَ فِي آخِرِ الرُّقْعَةِ أَنَّهُ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ عِنْدِي جَائِزُ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَتَبَ إنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ وَرَدَّ تِلْكَ الرُّقْعَةَ إلَى الْقَاضِي فِي السِّرِّ.