الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَيَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ قَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنْ قَدْ فَهِمَ فَإِمَّا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ وَيَخَافَ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ فَهِمَ لِمَا يَجِدُ مِنْ الْحَيْرَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ يَجِدُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَضِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةً فَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهَا فِي الْبَاطِنِ وَيَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْحَقِّ.
وَمِنْهَا: لَا يُفْتِي الْقَاضِي فِي مَسَائِلِ الْخُصُومَاتِ لِأَهْلِ بَلَدِهِ لِئَلَّا يَحْتَرِزَ الْخَصْمُ بِبَاطِلٍ وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا بَأْسَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَقْضِي الْقَاضِي إلَّا بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَشُورَتِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ - ﷺ - مُسْتَغْنِيًا عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ سُنَّةً لِلْحُكَّامِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ يَخَافَ الْمَضَرَّةَ فِي جُلُوسِهِمْ وَيَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِهِمْ وَبِالْحَذَرِ مِنْهُمْ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي فَهْمِهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَجْلِسُوا إلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي مَجْلِسِهِ مَنْ يُشْغِلُهُ عَنْ النَّظَرِ كَانُوا أَهْلَ فِقْهٍ أَوْ غَيْرَهُمْ، وَلَكِنْ إذَا ارْتَفَعَ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ شَاوَرَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أُشْكِلَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ تَرَكَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِالصُّلْحِ. وَقَالُوا: قَدْ يُشْكَلُ عَلَى الْقَاضِي كَلَامُ الْخَصْمَيْنِ، وَهَذَا مَانِعٌ لَهُ مِنْ التَّصَوُّرِ فَيَأْمُرُهُمَا بِالْإِعَادَةِ حَتَّى يَفْهَمَ عَنْهُمَا، وَقَدْ يَفْهَمُ عَنْهُمَا وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحُكْمِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: " وَإِذَا أُشْكِلَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ تَرَكَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْحُكْمِ بِاتِّفَاقٍ "، ثُمَّ لِلْقَاضِي حِينَئِذٍ أَنْ يُرْشِدَهُمَا لِلصُّلْحِ.
قَالُوا: وَالْأَقْرَبُ إنْ كَانَ هُنَاكَ قَاضٍ غَيْرَهُ صَرَفَهُمَا إلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُشْكَلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلْدَةِ غَيْرُهُ أَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ إنْ كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يَتَأَتَّى فِيهَا الصُّلْحُ.
وَإِذَا أُشْكِلَ عَلَى الْقَاضِي وَجْهُ الْحَقِّ أَمَرَهُمْ بِالصُّلْحِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الصُّلْحِ وَلْيَقْطَعْ بِهِ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ أَقَامَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ.
وَقَدْ أَقَامَ بَعْضُ قُضَاةِ الْعَدْلِ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ
[ ١٩ ]
رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي جِيرَانِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَقَالَ: اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي عَلَى سِرِّكُمَا.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِالصُّلْحِ إذَا تَقَارَبَ الْحُجَّتَانِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ تَكُونُ الدَّعْوَى فِي أُمُورٍ دَرَسَتْ وَتَقَادَمَتْ وَتَشَابَهَتْ.
وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ مَوْضِعُ الظَّالِمِ مِنْ الْمَظْلُومِ لَمْ يَسَعْهُ مِنْ اللَّهِ إلَّا فَصْلُ الْقَضَاءِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا طَالَ الْخِصَامُ فِي أَمْرٍ وَكَثُرَ التَّشْغِيبُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُمَزِّقَ كُتُبَهُمْ إذَا رَجَا بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَمْرِهِمْ، وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِرَجُلَيْنِ بِقَضَاءَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَقُومَانِ عِنْدَ قَاضٍ غَيْرِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَنَّهُ لَهُ.
قَالَ: فَحَائِزُهُ مِنْهُمَا أَوْلَى بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِزُ قَدْ حُكِمَ لَهُ بِهِ أَوَّلًا وَفِي قَضِيَّةِ الثَّانِي مَا يَنْسَخُ ذَلِكَ، فَتُرَدُّ قَضِيَّةُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَحُزْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْأَوَّلُ مِنْ الْآخِرِ، فَأَعْدَلُهُمَا بَيِّنَةً، فَإِنْ تَكَافَأَتَا وَالْقَضِيَّتَانِ مُؤَرَّخَتَانِ فَأُولَاهُمَا أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الثَّانِيَةِ مَا يَنْسَخُهَا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُؤَرَّخَةً دُونَ الْأُخْرَى فَالْمُؤَرَّخَةُ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأُشْكِلَ الْأَمْرُ عَلَى الْحَاكِمِ وَرَأَى أَنْ يَقْطَعَ الْقَضِيَّتَيْنِ وَيَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ فَعَلَ، وَهَذَا إذَا كَانَتَا جَمِيعًا صَوَابًا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا خَطَأً فَلَا إشْكَالَ فِي رَدِّ مَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ خَطَأً.