(فَصْلٌ):
وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْحُدُودِ إلَّا فِي السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ النُّكُولُ، وَالنُّكُولُ بَذْلٌ أَوْ قَرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ لَا يُقَامُ لِحُجَّةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِدَرْئِهَا، وَيُسْتَحْلَفُ فِي السَّرِقَةِ إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي الضَّمَانَ يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْكَ هَذَا الْمَالُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ نَكِلَ يُضَمِّنُهُ الْمَالَ وَلَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالنُّكُولِ.
وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ النِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ وَالنَّسَبُ وَالرِّقُّ وَالْوَلَاءُ وَالِاسْتِيلَادُ.
وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي بَابِ الْمَالِ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً لِكَوْنِهِ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ النَّاكِلَ يَمْتَنِعُ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ عَادَةً فَيَصِيرُ مُعْتَرِفًا بِالْحَقِّ دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْكَاذِبَ فِي الْإِنْكَارِ مُقِرٌّ ضَرُورَةً، وَالْإِقْرَارُ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ: إنَّا تَوَافَقْنَا عَلَى شَرْعِ الِاسْتِحْلَافِ لِفَائِدَةِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، وَالْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ هَا هُنَا مُتَعَذِّرٌ، وَتَمَامُ الْحُجَجِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.