(فَصْلٌ):
وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ أُمُورٌ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ إذَا كَانَ لَا يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛
[ ١٥ ]
لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِهْدَاءَ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَمِيلَ إلَيْهِ مَتَى وَقَعَتْ الْخُصُومَةُ، وَإِذَا قَبِلَ الْهَدِيَّةَ مَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالُوا: يَرُدُّ عَلَى الْمُهْدِي إنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ عَلَى صَاحِبِهِ يَضَعُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ.
وَإِنْ كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنْ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ، نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْهَدِيَّةُ مِثْلَ تِلْكَ أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ آكِلًا بِقَضَائِهِ؛ لِأَنَّ سَابِقَةَ الْمُهَادَاةِ دَلَّتْ عَلَى الْإِهْدَاءِ لِلتَّوَدُّدِ وَالتَّحَبُّبِ لَا لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ يَرُدُّ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَادَ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ لِيَمِيلَ إلَيْهِ مَتَى وَقَعَتْ الْخُصُومَةُ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، مِنْ الْمُحِيطِ قُلْت: وَالْأَصْوَبُ فِي زَمَانِنَا عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْهَدِيَّةُ تُورِثُ إدْلَالَ الْمُهْدِي وَإِغْضَاءَ الْمُهْدَى إلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرُ الْقَاضِي وَدُخُولُ الْفَسَادِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ إنَّ الْهَدِيَّةَ تُطْفِئُ نُورَ الْحِكْمَةِ. قَالَ رَبِيعَةُ: " إيَّاكَ وَالْهَدِيَّةَ فَإِنَّهَا ذَرِيعَةُ الرِّشْوَةِ «وَكَانَ النَّبِيُّ - ﵊ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ» وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ وَالنَّبِيُّ - ﵊ - مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَّقَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا.
وَلَمَّا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَدِيَّةَ قِيلَ لَهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُهَا. فَقَالَ: كَانَتْ لَهُ هَدِيَّةً وَلَنَا رِشْوَةً لِأَنَّهُ كَانَ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ لِنُبُوَّتِهِ لَا لِوِلَايَتِهِ، وَنَحْنُ يُتَقَرَّبُ إلَيْنَا لِلْوِلَايَةِ.
وَقَالَ - ﵊ - «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ السُّحْتُ بِالْهَدِيَّةِ وَالْقَتْلُ بِالْمَوْعِظَةِ، يُقْتَلُ الْبَرِيءُ لِيَتَّعِظَ بِهِ الْعَامَّةُ» .
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِنَفْسِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ: " لَا تُسَارَّ وَلَا تُضَارَّ، وَلَا تَبِعْ وَلَا تَشْتَرِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ " وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ وَلَكِنَّهُ لَا يُطِيلُ مُكْثَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْخُصُومَاتِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ الْآخَرَ يَتَّهِمُهُ وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ كَالْعُرْسِ وَالْخِتَانِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ، الْعَشَرَةُ وَمَا دُونَهَا خَاصَّةٌ وَمَا فَوْقَهَا عَامَّةٌ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ مَا اُتُّخِذَتْ لِأَجْلِ الْقَاضِي بَلْ اُتُّخِذَتْ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ وَلَا يَصِيرُ الْقَاضِي آكِلًا بِقَضَائِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ مَاعُونٍ أَوْ دَابَّةٍ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ إلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا الَّذِي وَلَّاهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ دُونَهُ رَعِيَّةٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ بِطَانَةَ السُّوءِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقُضَاةِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ بُلِيَ بِذَلِكَ عَرَفَهُ وَمِنْهَا أَنْ يَخْتَارَ لَهُ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَهُ، وَيَكْتُبُ مَا يَقَعُ فِي مَجْلِسِهِ بَيْنَ الْخُصُومِ.
وَلَا يَجْعَلُ كَاتِبَ الْحُكْمِ صَبِيًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا مُدَبَّرًا وَلَا مُكَاتَبًا وَلَا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَلَا ذِمِّيًّا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي أَوْصَافِهِ أَرْبَعَةً وَهِيَ: الْعَدَالَةُ، وَالْعَقْلُ، وَالرَّأْيُ، وَالْعِفَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكُونَ كَاتِبُهُ عَدْلًا فَقِيهًا يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَنْظُرُ هُوَ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَقْعُدُ حَيْثُ يُرَى مَا يَكْتُبُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ وَالتَّخْلِيطِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُخْدَعُ بِالرِّشْوَةِ فَيَزِيدُ أَوْ يُنْقِصُ فِيمَا يَكْتُبُ فَيُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حُقُوقِ النَّاسِ.
وَيَكْتُبُ مَا جَرَى فِي مَجْلِسِهِ مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا جَرَى قَبْلَ الْقَضَاءِ فَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْمُرَاجَعَةِ إلَيْهِ، فَيَكْتُبُ بِحَضْرَةِ الْخَصْمَيْنِ لِكَيْ لَا يُتَّهَمَ بِتَغْرِيرٍ، وَيَقْرَأُ مَا كَتَبَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ أَخْبَرَاهُ بِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِ الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ كَمَا جَرَى وَقَّعَ بِخَطِّهِ أَسْفَلَ الْكِتَابِ شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مُتَرْجِمًا، وَإِذَا اخْتَصَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُتَرْجِمْ عَنْهُ ثِقَةٌ
[ ١٦ ]
مُسْلِمٌ مَأْمُونٌ، وَالِاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيْنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ فَكَذَلِكَ الْعَدْلُ، وَرَسُولُ الْقَاضِي إلَى الْعَدْلِ الْوَاحِدِ يَكْفِي عِنْدَهُمَا.
" مِنْ الْمُحِيطِ ". وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالنَّزَاهَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى التَّوَصُّلِ عَلَى مَا يَنْوِيهِ، وَيُخَفِّفُوا عَنْهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ فِيهِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْوَصَايَا وَالْأَحْبَاسِ وَالْقِسْمَةِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعْوَانُهُ فِي زِيِّ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمَرْءِ بِصَاحِبِهِ وَغُلَامِهِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ، فَلَا بُدَّ لِلْقَاضِي مِنْ أَعْوَانٍ يَكُونُونَ حَوْلَهُ لِيَزْجُرُوا مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنْ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَفِّفَ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ.
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ - ﵁ - يُنْكِرُ عَلَى الْقُضَاةِ اتِّخَاذَ الْأَعْوَانِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ وَشَوَّشَ عَلَيْهِ مَا يَقَعُ مِنْ النَّاسِ عِنْدَهُ قَالَ: لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ مِنْ وَزَعَةٍ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الْأَعْوَانِ أَصْلًا كَانَ أَحْسَنَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَكُونُ الْعَوِينُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا، لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلِعُ الْخُصُومَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، وَقَدْ يُرْشَى عَلَى الْمَنْعِ وَالْإِذْنِ، وَقَدْ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى النِّسْوَانِ إذَا احْتَجْنَ إلَى خِصَامٍ، فَكُلُّ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ الْقَاضِي عَلَى قَضَائِهِ وَمَشُورَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا.
(فَصْلٌ):
وَأَرْزَاقُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ وَرَفْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ يَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَالْحُكْمِ فِي أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ شَيْئًا فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ لَهُمْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ عَلَى الْقَضَايَا الَّتِي يُبْعَثُونَ فِيهَا كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْقُضَاةِ أَخْذُ شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يُصْرَفْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقَّعَ الْقَاضِي لِلطَّالِبِ طَابَعًا يُرْفَعُ بِهِ الْخَصْمُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ وَاضْطُرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَلْيَجْعَلْ الْقَاضِي لَهُمْ شَيْئًا مِنْ رِزْقِهِ إذَا أَمْكَنَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ وَالْمُسْتَأْجَرُ عَلَى النُّهُوضِ فِي إحْضَارِ الْمَطْلُوبِ وَرَفْعِهِ فَيَتَّفِقُ مَعَ الْعَوِينِ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ لَدَدُ الْمَطْلُوبِ بِالطَّالِبِ، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُ، فَإِنَّ أُجْرَةَ الْعَوِينِ الَّذِي يُحْضِرُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ الْعَوِينُ وَالْمُدَّعِي عَلَى شَيْءٍ وَأَحْضَرَهُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُنْيَةِ " أَنَّ لِصَاحِبِ الْمَجْلِسِ الَّذِي نَصَّبَهُ الْقَاضِي لِإِجْلَاسِ النَّاسِ وَإِقْعَادِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُدَّعِي شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لَهُ بِإِقْعَادِ الشُّهُودِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ الْعَدْلِيَّيْنِ الدَّانِقَيْنِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الرَّائِجَةِ فِي زَمَانِنَا، وَلِلْوُكَلَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَعْمَلُونَ لَهُ مِنْ الْمُدَّعِينَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ لَا يَأْخُذُوا لِكُلِّ مَجْلِسٍ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ، وَالرَّجَّالَةُ يَأْخُذُونَ أُجُورَهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ لَهُ وَهُمْ الْمُدَّعُونَ، لَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ فِي الْمِصْرِ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ إلَى دِرْهَمٍ، وَإِذَا خَرَجُوا إلَى الرَّسَاتِيقِ لَا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ فَرْسَخٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٍ، هَكَذَا وَضَعَهُ الْعُلَمَاءُ الْأَتْقِيَاءُ الْكِبَارُ وَهِيَ أُجُورُ أَمْثَالِهِمْ.
قَالَ فِي شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ لِأَدَبِ الْقَاضِي: الْقَاضِي إذَا بَعَثَ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَلَامَةٍ فَعُرِضَتْ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَبْعَثُ إلَيْهِ ثَانِيًا وَيَكُونُ مُؤْنَةُ الرَّجَّالَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُدَّعِي شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيُّ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ مُؤْنَةَ الرَّجَّالَةِ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِذَا امْتَنَعَ فَعَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَائِنُ هَذَا اسْتِحْسَانٌ مَالَ إلَيْهِ لِلزَّجْرِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْحَالَيْنِ لِحُصُولِ النَّفْعِ لَهُ فِي الْحَالَيْنِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبِيحَ لِلنَّاسِ الرُّكُوبَ مَعَهُ إلَّا فِي حَاجَةٍ أَوْ رَفْعِ مَظْلِمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْكَبَ لِيَنْظُرَ إلَى شَيْءٍ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِيمَا قَدْ تُشُوجِرَ فِيهِ عِنْدَهُ وَاخْتَلَطَ فِيهِ الْأَمْرُ وَطَالَتْ فِيهِ الْخُصُومَةُ
[ ١٧ ]
وَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَتِهِ، وَقَدْ يَكْثُرُ هَذَا فِي بَابِ دَعْوَى الضَّرَرِ.
وَقَدْ رَكِبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي أَمْرٍ لِيَنْظُرَ فِيهِ فَذُكِرَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ فِيهِ، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْثِرَ الدِّخَالَ عَلَيْهِ وَالرِّكَابَ مَعَهُ وَلَا مَنْ بِحَضْرَتِهِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ كَانَتْ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَبُرَتْ نَفْسُهُ وَعَظُمَ عِنْدَهُ سُلْطَانُهُ.
وَيَكْفِي الْقَاضِيَ فِي مَعْرِفَتِهِ قُبْحَ حَالِ الرَّجُلِ أَنْ يَصْحَبَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا دَفْعِ مَظْلِمَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ، وَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَلْزَمُونَ ذَلِكَ لِاسْتِئْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرُونَ النَّاسَ أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ الْقَاضِي مَنْزِلَةً وَلِهَذَا قَالُوا: مَنْ تَرَدَّدَ إلَى الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي عَدَالَتِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَجْلِسُ فِي دِهْلِيزِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَأْكَلَةً لِلنَّاسِ وَحِيلَةً عَلَيْهِمْ، وَلَا يُبِيحُ مَجْلِسَهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَيَّنَ فِيهِ لِمُجَالَسَتِهِ أَوْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خُلُقِ الْمُسْتَأْكِلِينَ، وَإِنَّمَا يُجَالِسُهُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُدُولُ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَرَى أَنَّ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً مِثْلَ أَنْ يَدْعُوَ شَخْصًا مُعَيَّنًا لِلتَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ وَالشَّهَادَةِ وَالْكَشْفِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْغِيَ بِأُذُنِهِ لِلنَّاسِ فِي النَّاسِ فَيَفْتَحُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَرًّا عَظِيمًا، وَتَفْسُدُ عَقِيدَتُهُ فِي أَهْلِ الْفَضْلِ الْبُرَآءِ مِمَّا قِيلَ فِيهِمْ عِنْدَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسِيرَتِهِ وَشُهُودِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ فَحَصَ عَنْهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ قُوَّةً عَلَى أَمْرِهِ.