وفي المدونة: قال مالك: والشهادة على الشهادة جايزة في الطلاق والقتل والحدود والفرية والولاء وفي كل شيء، ولا يجوز في ذلك إلا شهادة شاهدين على شهادة [شاهد] واحد، وإذا شهد شاهد واحد على شهادة واحدة وأراد المشهود له أن يحلف مع شهادته، لم يكن له ذلك؛ لأنها ليست شهادة تامة. قال مالك: وشهادة الرجلين على شهادة عدد كثير جايزة. وسئل سحنون عن الشهادة على الشهادة، أتجوز في العدالة، مثل أن يكون لي قبل رجل شهادة، وأنا أخاف أن يسألني القاضي تعديله، فلا أجد لتعديله إلا رجلين مريضين أخاف عليهما الموت أو رجلين خارجين في سفر، فقلت لهما: اشهدا لي أن فلانا عندكما من أهل العدل والرضا، فأشهدوا لي على ذلك رجلين، ثم سألني القاضي عدالة شاهدي فشهد الشاهدان أن فلانا/ وفلانا [أشهدانا أنا] فلانا عندنا من أهل العدل والرضا؟ فقال: يطلب القاضي من الخصم من يعدله غيرهما، فإن لم يجد جازت الشهادة فيه على الشهادة إذا كان الغائبان اليذن زكيا من أهل الحضر ولم يكونا من أهل البدو؛ لأن البدوي لا يعدل الحضري. قيل له: فالتجريح أيجوز فيه الشهادة على (الشهادة على) ما وصفت لك في العدالة في غيبة الشهود أو
[ ١ / ١٤٢ ]
مرضهم؟ قال: نعم.
وفي سماع عيسى: قال ابن القاسم: إذا شهد رجلان على شهادة رجل غايب فقطع بشهادتهما، ثم جاء الغايب فأنكر أن يكون أشهدهما على تلك الشهادة، فإن الحكم ماض ولا غرم عليهما، ولا يقبل قول الشاهد. قلت: فلو قدم قبل أن يحكم بشهادتهما فقال هذا القول؟ فقال: لا شهادة لهما.
وفي كتاب ابن حبيب: قال: سمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: لا تجوز أن تنقل العدالة كما تنقل الشهادة في الحقوق إلا أن يشهد شاهد على شهادة شاهد غايب أو ميت فيخبر بعلمه بعدالته مع شهادته على شهادته بالحق الذي أشهده عليه، فأما أن تجوز الشهادة على الشهادة بالعدالة وحدها، فلا يجوز ذلك ولا عمل به في المدينة قط فيما علمنا ولا علمنا مالكا ولا أحدا من علمائنا بالمدينة قال: إنه يجوز للرجل أن يشهد على تعديله كما يجوز له أن يشهد على شهادته بالحق؛ لأن تعديل الشاهد لا يكون إلا من بعد أن يشهد عند الحاكم في الحين الذي فيه يقطع بشهادته، فأما أن تكون عدالة قبل شهادة فلا.
قلت لهما: فلو أن شاهدا شهد عند حاكم فاستعدله فكان
[ ١ / ١٤٣ ]
رجل مريض يعدله، لا يستطيع لمرضه أن يبلغ القاضي فأراد أن يبعث إلى القاضي تعديله إياه مع رجلين عدلين يشهدهما على أنه عدل، أكان ذلك يجوز؟ قال: نعم؛ لأن الشهادة قد وقعت عند الحاكم، والعدالة من المعدل هاهنا إنما هي في موضع العدالة وعند القطع بالشهادة.
قال محمد: وفي كتاب ابن حبيب: قال: وسمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: لا تجوز الشهادة على الخط [إلا] فيما كان الا من الأموال كلها خالصة ولا تجوز في طلاق ولا عتاق ولا نكاح ولا حد من الحدود.
قال محمد: ولا تجوز الشهادة –أيضا- على الخط، إلا أن يكون المشهود على خطه مشهورا معروفا بالعدالة، ويعرف مع ذلك أنه كان يعرف الذي كتب شهادته عليه.
قال ابن حبيب: قال لي أصبغ: والشهادة على خط الشاهد الغايب والميت قوية في الحكم بها، غير أنه ينبغي للشاهد على خط غيره ألا يعجل، وأن يتوقف ويتثبت. قال أصبغ: هي –عندنا-
[ ١ / ١٤٤ ]
جايزة على خط [الشهادة] فقط دون خط الصدر.
قال محمد: الذي تجوز عليه الأحكام في وقتنا هذا أن الشهادة على الخط لا تقبل إلا في الأحباس خاصة؛ لما اشتهر من الضرب على الخطوط وكثر عندنا بالأندلس. ولا تتم الشهادة –أيضا- على الخط في الأحباس إلا أن يشهد الشهود أنهم لم يزالوا يسمعون الذي شهد فيه أنه حبس، وأنه قد كان بما تحاز به الأحباس.