وفي سماع يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يموت عن منزل ويترك ورثته غيبا في [بلد غير] بلده الذي هلك فيه، بعيد أو قريب، فيمكث المنزل زمانا طويلا نحوا من أربعين سنة ثم يقدم ورثة الهالك فيجدون المنزل في أيدي قوم قد ورثوه عن أبيهم ولعل أباهم قد ورثه عن جدهم، فيدعيه ورثة الغائب الهالك عنه الذي كان
[ ٢ / ٢٣١ ]
أصله له معروفا، فيقولون منزل أبينا، هلك عنه ونحن غيب لم ندخل هذا البلد منذ هلك إلى اليوم، ويقول الذين في أيديهم المنزل: لا ندري من أنتم ولا ما تقولون، غير أن هذا المنزل ورثناه عن أبينا وهو في أيدينا منذ زمن طويل، ولعل أبانا – [إن] كان/ أصل المنزل لكم كما تقولون –قد اشترى منكم بمكانكم الذي كنتم فيه، ولا علم لنا بشيء من أمره إلا أنا ورثناه؟؟ فقال: الأمر فيه –إن شاء الله- أن يسأل [الذي زعم أن أصله معروف إلى أن هلك فيه أبوه وهو غائب بغير ذلك البلد، البينة على ذلك] فإن جاء بها أو أقر الذين في أيديهم [المنزل بذلك وكانت غيبتهم] ببلد بعيد، مثل أن يكون المنزل بالأندلس وما أشبهها والذين ادعوه بمصر أو بالمدينة أو نحو ذلك [من البعد فيسأل] الذين هم فيه من أين جاء لهم بعد وفاة الذي ورثه هؤلاء الغيب عنه، فإن أحقوا حقا باشتراء أو [غيره مما يستحق] به المدعي ما ادعاه كان ذلك لهم،
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فإن لم يثبت لهم اشتراء ولا هبة ولا وجه يستحقون به، إلا ما ادعوا من تقادم ذلك في أيديهم وتوارث ذلك بعضهم عن بعض فإني لا أرى لهم حقا، والحق فيه لصاحب أصله إذا قامت له بالأصل بينة أو أقر بذلك خصماؤهم؛ لقول رسول الله ﷺ (لا يهلك حق امرئ مسلم وإن قدم) مع ما رأيت لأهل [أصل] المنزل [من العذر] لغيبتهم في بعد بلدهم عن ذلك المنزل.
قال: وأما إن كانت غيبتهم غيبة قريبة بحيث يعلمون أن منزلهم صار إلى غيرهم وأنه يتوارث وينشأ فيه العمل وينسب إلى غيرهم فلا يقومون بتغيير ذلك ولا ينكرونه حتى يطول الزمان كما ذكرت، فلا أرى لهم فيه حقا، وهو لمن كان بيده وورث ذلك عن أبيه وجده أو لم يرثه، بعد أن تطول عمارته وحيازته إياه بمثل ما ذكرت لك من الزمان أو ما أشبهه.
قال: فإن علم الغيب في بعدهم بما صار إليه
[ ٢ / ٢٣٣ ]
منزلهم من حيازة (قوم له فتركوا الخروج إلى قبضه وتركوا الاستخلاف على ذلك بعد علمهم بما صار إليهم منزلهم من) حيازة من حازه وهم قادورن على الخروج إلى حقهم لقبضه أو الاستخلاف على ذلك حتى يطول الزمان، فأراهم فيما ضيعوا من حقوقهم بمنزلة الحضور لا حق لهم فيه إذا طال زمان حيازة القوم بعمارته، وإن كان لهم في ترك عذر يتبين للسلطان بأن يضعفوا عن الخروج ويلتمسوا من يستخلفون فيعجزهم ذلك ولا يقدرون عليه، فأراهم على حقوقهم وإن قدم زمانه وتطاول أمره؛ لبعد بلدهم، وما ظهر للسلطان من عذرهم.
وفي سماع عيسى: وسألت ابن القاسم: عن رجل غاب عن دار له وأرض، فدخلها رجل بعد غيبته فسكنها زمانا ثم مات عنها وبقي ورثته فيها، فقدم الغائب فادعى ذلك وأصله معروف له والبينة تشهد أنه إنما دخل فيها الميت بعد هذا [الغائب] وإن كان يسمع من الهالك يذكر أنه اشترى أو لم يسمع ذلك منه وإن طال
[ ٢ / ٢٣٤ ]
زمان ذلك أو لم يطل؟ فقال: [القادم] أولى بها إذا كان على ما ذكرت كان الداخل فيها حيا أو ميتا، ولا يلتفت إلى ما كان يسمع من الداخل الهالك يذكر أنه اشتري، والقادم أحق بأرضه إذا كان الأصل معروفا له، والبينة تشهد له على ما ذكرت لك من دخول هذا [فيها] بعد مغيبة، طال زمان ذلك أو لم يطل، إلا أن يكون للداخل بينة على اشتراء أو هبة أو صدقة أو سماع صحيح على اشتراء مع طول زمان وتقادم، فإن لم يكن كذلك، فالأرض أرض القادم على ما شهد له.
قال ابن القاسم: وأما الغائب الذي ذكرت على مسيرة الثمانية الأيام، وقد حيزت أرضه عليه فليست تلك بحيازة، ولا حيازة على غائب، إلا أن يكون قد علم بذلك وعرفه فترك ذلك ولم يطلبه ولم يخرج إليه حتى طال زمان ذلك كما [أخبرتك] مما تكون فيه
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الحيازة وهو تارك لذلك عالم به، فلا شيء له بعد ذلك.
قلت له: فالرجل يغيب الغيبة غير البعيدة، مثل مسيرة أربعة أيام ونحوها، ورجل يعمر أرضه عشر سنين أو عشرين سنة ثم يموت عنها العامر ويرثا ولده، فلا يطلب ذلك ولا يوكل وهو يبلغه عمارتها ولا يطلب شيئا فيقوم فيطلب ذلك الغائب بعد [عشرين سنة] وقد صارت بيد وارث؟ فقال: ذلك له، ولا يقطع ذلك عنه الأمر القريب وليس كل الناس يفوت ذلك عليهم، وللناس معاذير في ذلك من ضعف البدن والنظر في ضيعته والبنات يكن له فلا يستطيع مفارقتهن.
قلت له: فإذا لم يكن به ضعف ولا عذر يعرفه الناس؟ قال: كم من معذور لا يتبين للناس عذره فلا أرى أن يقطع/ ذلك عليه شيئا متى قام كان على حجته.
[ ٢ / ٢٣٦ ]