سئل مطرف بن عبد الله فيمن اتهم بسرقة، أترى أن يحلف فيها؟ فقال إن كان ممن يتهم أنه يرضى لنفسه بالسرقة وعارها حلف وإن أبى سجن حتى يرى السلطان رأيه. قيل له: فإن لم يكن مم يتهم بأنه يرضى بالسرقة وعارها ولكنه متهم بأنه لا يدع أن يأخذ متاع غيره إذا قدر عليه؟ فقال: لا أرى عليه يمينا إذا ادعي عليه بسرقة.
وفي سماع أشهب، سئل مالك عن رجلين ابتاعا طعاما، فحمل اليهما الحمالون طعاما، فوجد أحدهما طعامه ينقص
[ ١ / ١٠٦ ]
غرائر فذهب إلى الذي كان يحمل إليه الطعام معه، فقال: انظر أن لا يكون ذهب إلك من قمحي شيء، فكال الرجل قمحه فوجد فيه زياده فردها، فأراد الذي ذهب طعامه أن يستحلفه على باقي ما نقص من غرايره؟ فقال: ذلك له، وإن أبى المدعى عليه أن يحلف، حق عليه الحق، ولا أرى على لمدعي يمينا؛ لأنه لا يدري ما يحلف عليه.
وفي كتاب ابن حبيب قال عبد الملك: وسألت مطرف بن /عبد الله عن الرجل يدعي على الرجل أنه باعه بيعا، وأن ثمن ذلك باق عليه، فينكر ذلك المدعى عليه فيؤمر باليمين، بعد معرفة الخلطة بينهما، فيقول: أنا أحلف أنه لا حق لك قبلي، ويقول الطالب: بل تحلف لي أني ما بعتك سلعة كذا؟ . فقال: بل يحلف على ما ادعاه الطالب، وكذلك سمعت مالكا يقول في ذلك، وقال: هذا يريد أن يورك. فقلت له: وما التوريك؟ قال: الإلغاز في يمينه والتحريف، كأنه يريد أن يعني بيمينه قد ابتعت منك ما تقول، وقضيتك الثمن، فأنا أحلف أنه لا حق لك قبلي، فليس ذلك له؛ لأنه أذا أقر بأنه ابتاع منه وقضاه، كان الحق قد لزمه وصارت اليمين على الطالب أنه ما اقتضى شيئا ثم أخذ حقه، وما
[ ١ / ١٠٧ ]
كان مما يقع فيه الأيمان يشبه هذا فهو على هذا التعبير.
قال ابن حبيب وسألت عن ذلك ابن الماجشون فقال: إذا حلف بالله ما لك علي مما تدعيه قليل ولا كثير فقد برئ ولا ينظر إلى قول المدعي. قال ابن حبيب: وهذا أحب إلي إذا كان المدعى عليه ممن لا يتهم، وكان المدعي من أهل الظنة والطلب بالشبهة.
في إيقاع الشهادات والكشف عن الشهود
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن أقمت بينة على رجل غايب بحق لي فقدم، أيأمر القاضي بإعادة البينة؟ فقال: لا، ولكن يعلمه بمن شهد عليه، فإن كانت له حجة، وإلا حكم عليه.
[ ١ / ١٠٨ ]
وفي كتاب ابن حبيب قال: سألت ابن الماجشون: هل يجوز للقاضي أن يسمع من بينة الخصم ويوقعها بغير محضر الخصم؟
فقال ذلك العمل عندنا أن يسمع منه ويوقع شهادة الشهود، حضر الخصم أو لم يحضر، فإذا حضر الخصم قرأ عليه الشهادة وفيها أسماء الشهود، فإن كان عنده لشهادتهم دفع أو لعدالتهم مخرج، مكنه من ذلك، وإلا لزمه القضاء، إلا أن يخشى القاضي في ذلك دلسة أو استرابة ويرى أن اجتماعهما أبرأ من الدخل فلا يوقع الشهادة إلا بحضرتهما.
وفي المدونة قال سحنون: قال ابن القاسم: كان مالك يقول: لا يقضي القاضي بشهادة الشهود حتى يسأل عنهم في السر، ومن الناس من لا يسأل عنهم ولا يطلب فيهم التزكية بعدالتهم عند القاضي.
قال مالك: وإذا زكى الشهود في السر أو في العلانية، اكتفى بذلك القاضي.
[ ١ / ١٠٩ ]
وفي كتاب ابن حبيب قال: سمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: ينبغي للحكم أن يستكثر من المعدلين على الشاهد، وألا يكتفي في ذلك باثنين، إلا أن يكونا مبرزين في العدالة والمعرفة بالتعديل، وأن يكون التعديل عنه سرا وعلانية، وقد يجزئ تعديل السر من تعديل العلانية، ولا ينبغي أن يكتفي بتعديل العلانية دون تعديل السر، وقال أصبغ مثل قولهما.
قال ابن حبيب: فسألتهم عن تعديل السر، ما هو؟ فقالوا: ينبغي للحكم –وهو الشأن عندنا- أن يتخذ رجلا من أهل العدل والرضى مجتمعا عليه بذلك، فيوليه المسألة عن الشهود، فيسأل ذلك الرجل عن الشاهد من يثق به من أهل مسجده وعمله، ولا ينبغي لذلك الرجل أن يقتصر على سؤال واحد؛ خيفة أن يسأل أحدا بينه وبين الشاهد ضغن، ولكن يسأل الاثنين والثلاثة ويستسر بذلك، وينبغي للحكم –أيضا- ألا يشهر الذي اتخذه لهذا، وأن يكون ذلك فيما بينه وبينه، وينبغي للحكم –أيضا- إذا وثق بعدل الرجل وصلاحه ومعرفته بأهل مكانه وبوجوه العدالة، أن يسأله عن الناس، فيعرف به من يجهل عدالته أو جرحته فهذا كله من تعديل
[ ١ / ١١٠ ]
السر.