قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت الرجل تكون عليه ديون للناس، فقام واحد منهم عليه بدينه وأراد تفليسه، أيكون له ذلك دون أصحابه؟ فقال: الرجل الواحد والجماعة في ذلك سواء، وله أن يفلسه. قلت: فإن قام عليه أصحاب الديون، فقال بعضهم: نسجنه، وقال بعضهم: نخليه يطلب حتى يقضينا حقوقنا؟ قال: إذا تبين الإلداد للسلطان، وطلب واحد من الغرماء أن يسجن له سجن، فإن شاء الذين لم يريدون سجنه أن يقوموا بحقوقهم ويحاصروا في ماله [من قام] منهم بحقه فذلك لهم ثم إن شاءوا أخذوا ما صار لهم في المحاصة وإن شاءوا أقروه في يد المفلس ولا يكون للذي سجن له أن يأخذ منه ما رد عليه أصحابه. فإن أفاد مالا غيره أو تجر به فكان فيه ربح كان هو وجميع أصحابه أسوة فيما أفاد بربح أو هبة أو صدقة أو ميراث أو غير ذلك من العوايد، وإن كان
[ ١ / ١٩٣ ]
نقص ما ردوه على المفلس وحاصروا الذي لم يرد بما نقص وما بقي لهم قبل ذلك، وكذلك لو ذهب جميع ما ردوا إليه ثم أفاد مالا [لتحاص] فيه جميعهم، يضرب الذين ردوا إليه بما ردوا وما بقى لهم قبل ذلك، ويضرب الذي لم يرد شيئا بما بقي من دينه.
قال سحنون: قلت له: فإن قال المفلس على دين لقوم غيب؟
قال: لا يصدق إن كان إقراره بعد التفليس إلا ببينة، فإن قامت بينة بما قال عزل حظ الغيب الذي يصير لهم في المحاصة، ولو كان إقراره قبل التفليس [لجاز] وحاص المقر له ساير الغرماء.
قلت: فإن كان لا يعرف إقراره إلا بقوله فيتحاص الغرماء دون المقر له ثم أفاد بعد ذلك مالا، وقد بقي لأهل [الديون] بقية من دينهم، أيضرب المقر له فيما أفاد مع الغرماء ببقية دينهم؟ قال: نعم، وإنما كانت التهمة في المال الأول. وقد قال مالك في المفلس: يداين الناس بعد التفليس (ثم فلس ثانية، فالذين داينوه بعد التفليس الأول أولى بما في يديه من الغرماء الأولين؛ لأن هذا
[ ١ / ١٩٤ ]
مالهم، وغن أفاد مالا بعد التفليس) الأول بصلة أو ميراث أو جناية جنيت عليه ضرب فيها أهل التفليس بما بقي لهم ومن أقر له.
قلت له: فمن فلس ولقوم غيب عليه دين، أيعزل القاضي أنصباءهم؟ قال: نعم، وإن ضاع ما عزل لهم كان الضياع منهم، وهو قول مالك.
قال مالك: ولو كان له غريم لم يعلم به لكان له الرجوع على سائر الغرماء، وأخذ من كل واحد منهم بقدر الذي أخذ من نصيبه الذي [يصير] له في المحاصة.
قلت: فإن كان بعض أصحاب الديون حضورا حين تفليس المديان ولم يقوموا، ثم قاموا بعد ذلك يطلبون حقوقهم (قبل الذين اقتضوا؟ قال: لا سبيل لهم إليهم؛ لأنهم حين علموا بالتفليس ولم يقوموا فقد رضوا أن تكون حقوقهم) في ذمة الغريم (في المستقبل).
قلت له: فالمفلس إذا كان بعض ما عليه من الدين حالا
[ ١ / ١٩٥ ]
وبعضه مؤجلا، فقام عليه أصحاب الديون الحالة وفلسوه، أيحل عليه بذلك الديون المؤجلة؟ قال: نعم، وما كان له من دين إلى أجل فهو إلى أجله، وتباع ديونه التي له مؤجلة الساعة بنقد إلا أن يشاء الغرماء أن يتركوها إلى أجلها، وهو قول مالك.
وفي رواية ابن وهب: قال مالك: ومن مات أو فلس، فقد حل [الدين] الذي عليه، وإن كان إلى أجل.
[قال ابن وهب: وقال مالك في] الرجل يغيب وله مال حاضر، فيأتي غرماؤه فيريدون بيع ماله واقتضاء حقوقهم، ولعله كثير المداينة فيخاف أن يكون عليه دين لغير الذين حضروا؟ فقال: ليس الحي كالميت؛ لأن الميت قد ذهبت ذمته، وذمة الحي باقية لغرمائه، ولا ينبغي لمن يطلب بحق أن يؤخر حقه استبراء لديون المطلوب، ولكن يباع لمن حضر فيقضى حقه، إلا أن يكون دينا معروفا فيحاص به الغرماء.
قال محمد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الغائب يعرف غناه من عدمه، وقد ذكر ابن المواز عن ابن القاسم أنه قال: إن كان
[ ١ / ١٩٦ ]
بعيد الغيبة لا يعرف غناه من عدمه أنه يفلس ويحل المؤجل من دينه، وإن عرف أنه غني لم يفلس ولم يقض من دينه/ إلا ما حل، قال: وإن كان قريب الغيبة على مثل الأيام القليلة، فليكتب في كشف أمره حتى يعرف غناه من عدمه فيفلس أو لا (يفلس).