وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن شهد قوم غرباء على رجل غريب [أو غير غريب] بحق؟ فقال: لا تقبل شهادتهم، إلا أن يعدلوا، وقد سألت مالكا وسئل عن قوم شهدوا في حق، فعدلهم قوم لا تعرف عدالتهم، فعدل المعدلين آخرون؟ فقال: إن كان الشهود غرباء، رأيت ذلك جائزا، وإن كانوا من أهل البلد لم تجز شهادتهم حتى يأتوا بمن يزكيهم أنفسهم.
وفي كتاب ابن حبيب: سألت مطرفا وابن الماجشون عن الرفاق والقوافل تمر بأمهات القرى والمدائن، فتقع بينهم الخصومة عند حكم القرية أو المدينة التي حلوا بها أو مروا بها، فيشهد بعضهم لبعض [على بعض]، وكلهم لا يعرف بعدالة ولا بسخطة، كيف وجه قبول شهادتهم والفصل /بينهم؟ فقالا لي جميعا: رأينا مالكا وجميع أصحابنا يجيزون شهادة هؤلاء على التوسم لهم بالحرية
[ ١ / ١٢٤ ]
والعدل، ويجيزون شهادة من شهد منهم بعضهم لبعض ممن جمعه ذلك السفر، وحوته تلك المرافقة فيما وقع بينهم من المعاملات في ذلك السفر الخاص من الأسلاف والأكرية والبيوع والأشربة، كانوا من أهل بلد واحد أو من أهل بلدان شتى، كان المشهود عليه والمشهود له من أهل القرية أو المدينة التي اختصموا فيها أو معروفا من غيرها، إذا كان ممن جمعه وإياهم ذلك السفر، وكذلك تجوز شهادة بعضهم لبعض على كريهم في كل ما عاملوه به وفيه وعليه في سفرهم ذلك، قال لي مطرف وابن الماجشون: وإنما أجيزت شهادة التوسم على وجه الاضطرار إلى ذلك، ومالا لابد منه، مثلما أجيزت شهادة الصبيان بينهم في الجراحات، قالا لي جميعا: ولا تجوز شهادة التوسم في كل حق كان ثابتا في دعواهم قبل سفرهم، إلا بالمعرفة والعدالة.
قال ابن حبيب: قلت لابن الماجشون: فهل يمكن المشهود
[ ١ / ١٢٥ ]
عليه منهم من جرحة من شهد عليه منهم إذا طلب ذلك؟ قال: لا؛ لأنهم إنما أجيزوا على التوسم، إلا أن يستريب السلطان منهم أو من بعضهم قبل حكمه بشهادتهم من قطع يد أو جلد في ظهر أو ما أشبه ذلك، فأرى أن يقف ويتثبت بالكشف عنه وترديد التوسم فيه، فإن ظهر له ما ينفي التريب عنه، أجاز شهادته، وإلا طرحها؛ لأن القطع والجلد تريب بين. قلت: ولم، وقد يكون ذلك لعداء وظلم ممن فعل ذلك به؟ قال: لما تبين ذلك فيه وظهر عليه وقع التريب وخرج من حد التوسم، فلا يرجع إلى حال الرضا إلا بأمر ظاهر.
قلت له: فما يشهد بع بعضهم لبعض على بعض، من سرقة أو غصب أو زنا أو مشاتمة، هل تجوز شهادتهم في هذه الأشياء على التوسم؟ قال: هذه وجوه لا تجوز الشهادة فيها إلا بالعدالة الكاملة، وإنما تجوز شهادتهم في الأموال لصلاح أمر السفر واتصال السلب وردع أهل الشر، ولئلا تنقطع الطرق فيما لابد للناس منه، من حج وعمرة وجهاد وما أشبه ذلك.
[ ١ / ١٢٦ ]