قال محمد: وفي المدونة: قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من اعترف دابة في يد رجل، وحكم له بها قاضي موضعه، فذكر الذي استحقت من يده أنه اشتراها في بعض البلدان وأراد أن يطلب حقه بها، وسأل القاضي الذي حكم عليه بها، أن يكتب إلى قاضي ذلك البلد بما حكم عليه به، ففعل، فهل على القاضي المكتوب إليه إذا جاءته الدابة أن يأمر الذي جاء بها، أن يقيم البينة أنها هي التي حكم بها عليه؟ قال إذا أتى بشاهدين على أن هذا الكتاب كتاب القاضي، وكانت موافقة لما في الكتاب، لم يسأل البينة أنها هي الدابة التي حكم بها عليه.
وروى سحنون -أيضا-، قال: قلت لابن القاسم: أرأيت القاضي إذا جاءه كتاب قاض بغير خاتم، أيقبله؟ فقال: إذا شهد الشهود على الكتاب بعينه، جاز، إذا شهدوا على ما فيه، وسواء في
[ ٢ / ٢١٩ ]
هذا انكسر الطابع أو لم يكن طبعه القاضي الذي كتب به؛ لأن مالكا قال: إذا لم يشهد الشهود على ما في كتاب القاضي، فلا يلتفت إلى الطابع.
وفي سماع عيسى: سئل ابن القاسم عن القاضي يكتب إلى القاضي في الحقوق والأنساب والمواريث وأشباه ذلك، فيكتب: أتاني فلان بشهود عدلوا عندي وقبلت شهادتهم ولم يسمهم في كتابه، أيجوز؟ قال: نعم، وهو قضاء القضاة، أرأيت إن سماهم له، أيعرفهم؟ أو يبتغي عدالة أخرى، أو يستأنف فيهم حكما غير ما قد حكم فيه.
قال محمد: قال لنا إسحاق بن إبراهيم: بل يسمي الشهود الذين شهدوا عنده، وهو قول ابن عبد الحكم، وهو خير من هذا
[ ٢ / ٢٢٠ ]
القول.
وفي سماع عبد الملك (بن الحسن: قال: ابن وهب، ومن جاءه من القضاة كتاب قاض غيره بحق ثبت الذي جاءه بالكتاب) فليس ينبغي أن يتعنت طالب الحق بأن يقول: لا أعرف من شهد لك، بل يمضي ما كتب به إليه القاضي الكاتب أنه ثبت عنده وليس للمشهود عليه أن يقول: لم أحضر شهادة من شهد علي ولعلي لو حضرت لدفعت شهادتهم، وليس له أن يحبس ما ثبت عليه من الحق (ولكن يوجب ما ثبت عليه من الحق)، ثم يشخص -إن شاء- إلى بلد الشهود والقاضي الكاتب، فيبطل ذلك عن نفسه إن كان عنده مدفع، وإلا لم يكن له حجة.
وفي كتاب ابن حبيب: قال: وسمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: لا ينبغي للقاضي [أن ينفذ] كتاب قاض إليه بشيء يشهد به من الأحكام إلا بشهادة عدلين، ولا ينفذ ذلك بشهادة (شاهدين أن الكتاب خط القاضي، فقد أعلمناك أنه لا تجوز
[ ٢ / ٢٢١ ]
الشهادة) على خطوط القضاة [والأمناء]، ولا على خطوط الشهود في الأحكام. قال: ولا بأس إذا كتب القاضي في الشيء يسأله عنه، من عدالة شاهد أو من يستخبره عنه من أمر الحكومة بين من يختصم إليه أن يقبل كتابه إليه بجواب ذلك بغير شهود إذا عرف خطه ولم يشك فيه أنه كتابه ما لم يكن كتابا فيه قضية قاطعة، وكذلك إن أتاه به رسول أو من يثق به إلا أن يأتيه به الخصم الذي المسأله له، فلا نرى أن يقبله إلا بشاهدي علي، وكذلك -أيضا- ما كتب به القاضي إلى الفقيه مما يسأله عنه ويسترشده فيه وهو مثل هذا سواء.