قال محمد: وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل يكون له على الرجل الحق فيغيب شهوده، فإذا قام يطلبه جحده الذي هو عليه فدعاه إلى الصلح وأشهد في السر إني إنما أصالحه لأنه جحدني وأخاف أن يذهب بحقي، فإذا حضر شهودي قمت على حقي؟ فقال: ما له يعجل بمصالحته ثم يقوم بعد ذلك؟ وكأنه لم ير ذلك له.
قال ابن القاسم: وهو رأيي أن الصلح لازم له.
قال محمد: لم يبين في هذه الرواية الغيبة القريبة من البعيدة وقد بين ذلك أصبغ في العتبية.
وسئل أصبع عن الرجل يدعي السلعة بيد رجل فيخاف على
[ ٢ / ٢٥٨ ]
سلعته أن تتلف فيشتريها من الذي هي في يديه ثم يريد القيام عليه بعد ذلك؟ فقال: إن كان لم يعلم بأن له بينة فذلك له إن أثبت البينة ويرجع بماله، وإن كان قد عرف أن له بينة وعرف موضعها، فلا أرى له بعد ذلك كلاما ولا حجة، وإن زعم أنه إنما اشتراها بدارا ومخافة أن يغيبا أو يبيعها. قال: وإنما ذلك [عندي] بمنزلة الرجل يصالح الرجل وهو يعلم أن له بينة [إلا أن تكون بينته] بعيدة جدا أو يكون قد أشهد قبل أن يشتريها أنه إنما يشتريها لما يخاف أن يغيبها الذي هي في يديه من أجل غيبة بينته وبعدها ثم يقوم بعد ذلك عليه، فأرى ذلك ينفعه إذا كان كذلك، وإلا فلا كلام له ولا حجة.
قال: وإن أتى ببينته بعد الاشتراء وزعم أنه لم يعلم بها وقال له البائع: قد علمت واشتريت على علم بها أو صالحت، فالقول قوله أنه لم يعلم، مع يمينه، إلا أن يثبت عليه أنه قد علم لأنه
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قد ثبت له الرجوع بماله فالبائع مدع عليه ما يسقط ذلك، فالبينة عليه.
وفي كتاب الجدار: وسئل عيسى عن الرجل يكون له الشقص في الأرض مع القوم وقد قسم فيبيعه من رجل فيجحد القوم المشترى فيقولون: مالك ولا للبائع عندنا شيء، ثم يدعونه إلى أن يدفعوا إليه الثمن الذي اشتراه به ويخرج عنه، فيشهد المشتري أنه إنما يفعل ذلك ليظهروا له حقه ويقروا له به ثم يبيع منهم بالثمن، هل ينفعه ما أشهد عليه سرا؟ قال: نعم، إلا أن يكون ذلك من القوم على وجه الصلح، مثل أن يكونوا قالوا له: لا نعلم لصاحبك عندنا شيئا، ولكن ندفع إليك رأس مالك، واخرج عنا بلا خصومة ولا مكروه، فإن كان على هذا فهو لازم للمشتري، ولا تنفعه بينته؛ لأن هذا صلح، وإن كانوا قالوا: بعنا هذا السهم الذي ابتعت من فلان وإلا دفعناك فأشهد سرا ثم باع فإنه يرجع في بيعه ولا يلزمه ذلك إذا كان الذين أشهدهم سرا قد عرفوا مدافعتهم إياه وجحدهم شراءه.