قال ابن حبيب: أخبرني ابن عبد الحكم، وأصبغ أنهما سمعا ابن القاسم يقول: سمعت مالكا سئل عن الرجل يمر بالرجلين يتنازعان في الأمر (فيسمعهما) يقر أحدهما لصاحبه بشيء ولم يحضراه للشهادة ولم يشهداه على شيء، فيدعوه أحدهما إلى القيام بما سمع؟ فقال مالك: لا يشهد بمثل هذا؛ لأن (الرجل) قد يتكلم بالشيء ويكون الكلام بعده أو قبله مما لا تقوم الشهادة إلا به
[ ١ / ١٣٣ ]
فيسقط الشهادة (عن) المشهود عليه، ولو أفرد الكلام وحده كانت شهادة، فلا يجوز له أن يشهد أو يحضر لذلك.
(قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد استقصى ما بينهما من مذاكرتهما وإقرار بعض لبعض فأرى أن يشهد بذلك) وإن لم يشهداه إذا أيقن أنه لم يكن قبله ولا بعده من كلامهما ما ينقض ما سمع منهما.
قال ابن حبيب: وسئل ابن القاسم عن الرجل يمر بالرجل فيسمعه يقول: أشهد أن لفلان على فلان مائة دينار، ولم يشهده، ثم يحتاج أن يشهد بما سمع من شهادة الشاهد؟ قال: لا يشهد حتى يكون هو أشهده على شهادته أو يكون سمعها وهو يضعها عند حاكم ليحكم بها، فأما على غير ذلك، فلا يفعل؛ لأنه لا يدري لعل عنده مع الذي سمع من كلامه ما ينقض شهادته تلك من زيادة أو نقصان، فلو علم أنه يحفظ عليه كلامه ليقام به عنه، أتمه وهو مثل الذي كره مالك لسامع إقرار الرجل أن يشهد به عليه نفسه إذا لم يدر ما كان من قبله أو بعده من الكلام، وقد رأى مالك القذف والطلاق والعتاق خلاف الإقرار بالحقوق، ورأى إذا مر الرجل بالرجل فسمعه يقذف رجلا، أن يشهد بذلك عليه إن كان معه غيره، وكذلك إذا سمعه
[ ١ / ١٣٤ ]
يطلق امرأته ويعتق عبده؛ لأنه لا يخاف أن يكون قبل القذف والطلاق والعتاق أو بعده من الكلام ما ينقضه كما يكون ذلك في الإقرار بالحقوق؛ لأن هذا الكلام مستقصى يفرغ منه إذا قذف أو طلق فقد فرغ.
قال عبد الملك: وسألت مطرفا عن الرجل يسمع قاضيا من القضاة يقول: قد ثبت لفلان [عندي كذا وكذا، أو يقول: قد ثبت له] عندي هذا الكتاب، لكتاب قد عرفه السامع وحفظ ما تكلم به، هل يجوز له أن يشهد بذلك ويجوز إذا فعل؟ / فقال لا يجوز له أن يشهد بذلك، ولا يكون ذلك شهادة حتى يكون ذلك من القاضي إشهادا لمن أشهده عليه وإيقافا منه للشهود على ذلك وما لم يكن كذلك فليس بشيء؛ لأن القاضي قد يقول ذلك على حال الاستفهام أو التثبيت من مقالة أحد الخصمين وعلى وجه التردد منه عليهم.
وقد قال مالك في الرجل يسمع الرجل يقول: سمعت فلانا يقر لفلان بكذا، أو يقول له كذا، أنه لا يشهد بذلك عليه ولا تجوز شهادته (حتى يكون) هو الذي يسمع المقر أو القاتل يقول ما قال أو يشهده على ذلك.
قال لي مطرف: ولو كان الذي سمع ذلك منه إنما كان
[ ١ / ١٣٥ ]
يسوق ذلك عند قاض يشهد به عنده فيسمعه هذا ثم احتج إلى ما سمع منه، لكان شاهدا على شهادة ذلك.
قال عبد الملك: وسألت عن ذلك أصبغ بن الفرج، فقال لي في الذي فوق هذا مثل قول مطرف، وروى بعضه عن ابن القاسم، وقال لي في هذا الآخر أنه لا تجوز شهادته بما سمعه يسوق عند القاضي حتى يشهده على ذلك، فصار يشهد على قبول القاضي تلك الشهادة.