وَمَا رسم فِي الْبِلَاد لأهل الْحِسْبَة إِن كَانَ فِي أهل الذِّمَّة فَلَا شكّ فِي جَوَازه لِأَنَّهُ صَار من أَمْوَال أهل الذِّمَّة وَإِن أَخذ من الْمُسلمين فَإِن كَانَ بِقدر أجره أعوان الْمُحْتَسب وَلَا رزق لَهُم من بَيت المَال فَلَا بَأْس بِهِ لأَنهم يعْملُونَ لَهُم فَيَأْخُذُونَ كفايتهم مِنْهُم وَإِن زادوا عَلَيْهِ أَو كَانَ لَهُم رزق من بَيت المَال فَهُوَ حرَام لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْمُسلم قهرا وَغَلَبَة بِغَيْر رِضَاهُ فَلَا يجوز لقَوْله تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا اموالكم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة من ترَاض مِنْكُم
ذكرا جصاص فِي أَحْكَام الْقُرْآن من ضرب الضرائب على النَّاس حل دَمه وَكَانَ بعض الْمَشَايِخ يُفْتِي بِكفْر أعوانه وَنحن لَا نفتي بكفرهم إِذْ لم يستحلوا ظلمهم وفسقهم أما إِذا استحلوا ذَلِك فقد أجمع الْمُسلمُونَ على تكفيرهم فَإِن أَخذ الْمُحْتَسب غير مرسوم ينظر أَن أَخذه ليسامح فِي مُنكر أَو يداهن فِيهِ أَو يقصر فِي مَعْرُوف فَهُوَ أَيْضا حرَام لِأَنَّهُ أحد أَنْوَاع الرِّشْوَة وَأَنَّهَا حرَام كَمَا ذكر فِي أدب القَاضِي للخصاف
[ ٢٥٣ ]
والرشوة على أَرْبَعَة أوجه
إِمَّا أَن يرشوه لِأَنَّهُ قد خَوفه فيعطيه الرِّشْوَة ليدفع الْخَوْف عَن نَفسه
أَو يرشوه ليسوي أمره بَينه وَبَين السُّلْطَان
أَو يرشوه ليتقلد الْقَضَاء من السُّلْطَان
أَو يرشو للْقَاضِي ليقضي لَهُ
فَفِي الْوَجْه الأول لَا يحل الْأَخْذ لِأَن الْكَفّ عَن التخويف كف عَن الظُّلم وَأَنه وَاجِب حَقًا للشَّرْع فَلَا يحل أَخذه لذَلِك وَيحل للمعطى الاعطاء لِأَنَّهُ جعل المَال وقاية للنَّفس وَهَذَا جَائِز مُوَافق للشَّرْع فَكَذَلِك تَقول فِي الْمُحْتَسب إِذا خوف إنْسَانا بظُلْم وَأَعْطَاهُ ذَلِك الانسان ليدفع عَن نَفسه ذَلِك الْخَوْف يجوز للمعطي وَيحرم على الْمُحْتَسب
وَفِي الْوَجْه الثَّانِي أَيْضا لَا يحل الْأَخْذ لِأَن الْقيام بِأُمُور الْمُسلمين وَاجِب بِدُونِ المَال فَهُوَ يَأْخُذ المَال ليقيم مَا وَجب عَلَيْهِ الْإِقَامَة بِدُونِ المَال فَلَا يحل لَهُ الْأَخْذ
وَفِي الْوَجْه الثَّالِث لَا يحل الْأَخْذ والاعطاء وَهَكَذَا تَقول فِي أَصْحَاب محتسب الممالك إِذْ أَخذ شَيْئا من النواب على الاحتساب على الْقُضَاة ليسووا أَمرهم فِي نياتهم بَينهم وَبَين تملك الْحِسْبَة فَهُوَ حرَام كَمَا فِي الرِّشْوَة فِي بَاب السَّعْي بَين الْقُضَاة وَبَين السُّلْطَان ليوليهم على الْقَضَاء
[ ٢٥٤ ]
وَأما فِي الرَّابِع فَفِيهِ حرَام الْأَخْذ سَوَاء كَانَ الْقَضَاء بِحَق أَو بظُلْم أما الظُّلم فلوجهين
أَحدهمَا أَنه رشوة
وَالثَّانِي انه سَبَب للْقَضَاء بالجور
وَأما الْحق فلوجه وَاحِد وَهُوَ أَخذ المَال لإِقَامَة الْوَاجِب وَأما الاعطاء فَإِن كَانَ لجور لَا يجوز وَإِن كَانَ لحق جَازَ لما بَينا وَهَكَذَا نقُول فِي الْمُحْتَسب لَا يجوز أَن يَأْخُذ شَيْئا من أَرَادَ أَن يحْتَسب عَلَيْهِ لِأَن احتسابه إِن كَانَ لجور فللمعنيين وَإِن كَانَ لحق فلمعني وَاحِد كَمَا مر
وَذكر أَنه قيل لعمر بن عبد الْعَزِيز يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالك لَا تقبل الْهَدِيَّة وَكَانَ رَسُول الله تَعَالَى يقبلهَا قَالَ عمر أَنَّهَا كَانَت على عهد رَسُول الله هَدِيَّة وَأَنَّهَا لنا رشوة أَشَارَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَن الزَّمَان قد فسد وَالْمهْدِي لَا يلْتَمس مَا لَا يحل لَهُ فِي الشَّرِيعَة فَلَو قيل كَانَ رشوة وَهَذَا لَا يتَصَوَّر فِي زمَان رَسُول الله ﷺ لِأَن الشوكه لَهُ بِنَفسِهِ فَكَانَت الْهَدِيَّة لَهُ وهدايا الْأُمَرَاء للْمُسلمين أَجْمَعِينَ لِأَن شوكتهم بهم قَالَ العَبْد فعلى هَذَا نقُول أَن الْمُحْتَسب أَو القَاضِي إِذا أهْدى إِلَيْهِ مِمَّن يعلم أَنه يهدي لاحتياجه إِلَى الْقَضَاء والحسبة لَا يقبل وَلَو قبل كَانَ رشوة وَأما مِمَّن يعرف أَنه يهدي للتودد والتحبب لَا للْقَضَاء والحسبة فَلَا بَأْس بِالْقبُولِ مِنْهُ وَذكر فِيهِ أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يتوسعون فِي
[ ٢٥٥ ]
قبُول الْهَدَايَا بَينهم وَهَذَا لِأَن الْهَدِيَّة كَانَت عَادَتهم وَكَانُوا لَا يلتسمون مِنْهُم شَيْئا وَإِنَّمَا كَانُوا يهْدُونَ للتودد والتجبب وَكَانُوا يستوحشون برد هداياهم فَلَا يتَمَكَّن فِيهِ معنى الرِّشْوَة فَلهَذَا كَانُوا يقبلونها
[ ٢٥٦ ]
الْبَاب الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ